وليد حرفوش يكتب لـ “درة”| قراءة في رواية بلال وبعض التفاصيل .. للكاتب خليل فزيع

بقلم / وليد حرفوش  

خليل فزيع ، الشغوف بسرد الحياة الريفية القديمة ، ونسج الحكايا حول تفاصيلها الدقيقة . في كل عمل ، يؤكد تمسكه بالموروث الشعبي واهتمامه بتوثيقه ، من خلال رواية أو مجموعة قصصية. كأنه الكاتب المسكون بالماضي ، والممتلىء بالحنين ، إلى حياة الأمس التي لا تفارقه ، رغم اندماجه في الحياة المعاصرة وأخذه بأساب عيشها.
في روايته بلال وبعض التفاصيل ، يطرق أبواب الذاكرة ، ويشخص الأمس الغارق في أحضان الزمن ، الذي أصبح جزءا من من ذاكرة الذين عايشوه أوسمعوا عنه من الآباء والأجداد.
الرواية تجسد سيرة لإنسان قروي بسيط ، كابد الفقر والفاقة بعد رحيل أبويه ، حيث لم يترك له والده من حطام الدنيا سوى البيت الذي عاشوا فيه ، وأوصاه أن يحرص عليه وأن لا يفرط فيه .
سخَّر الكاتب ، شخصية بلال لتكون محورا للرواية تنطلق منها الأحداث ، وتدور حولها وتعود إليها.
ناسجا حولها شريطا عريضا من القصص ، والتفاصيل التي جسدت الحياة الشعبية ، بتفاصيلها الإجتماعية ، والأخلاقية والإقتصادية ، وحتى الفنية. مبينا قسوة الحياة وشظف العيش ، والمعاناة من عقدة اللون ، حيث يشخص في المقابل ماردُ الطمع والتسلط والإستغلال ، رغم روح البساطة التي كانت تميز إنسان ذلك الزمان.
انطلقت الرواية بهدوء وتطور منطقي للأحداث فلم يعمل الكاتب على ضخها كفيضان صاخب بل سردها رويدا رويدا كلُ حدث يأخذ مكانه الطبيعي ويظهر في حينه مع الحفاظ على منطقية التطور والحفاظ على تنامي السرد خلال فصول الرواية العشرة.
بلال صاحب تلك الشخصية المعدمة و الإعتداد بالموروث والحفاظ على وصايا الأب حيث دارت حولها شخصيات عدة منها الطيب ومنها السيء لتعتمل مع بعضها البعض في قالب سردي أُتقنت لغته وعمُق مضمونه وقد تجلى إبداع الكاتب من خلال رشاقته السردية ومهارته اللغوية . فليس المهم أن تكون الأحداث عظيمة وخارقة وأن تكون الشخصيات ذات مكانة وهيبة وأهمية لتكون الرواية عملا فارقا وعظيما . فبهذه السلاسة والبساطة الذي اعتمدها الكاتب قدم لنا عملا روائيا شيقا لا يمكن إن تدعه جانبا حتى تبلغ الورقةَ الأخيرة.
بالنسبة للزمان والمكان غيب الكاتب الزمان وغيب المكان ولم يصرح بهما ،لكنهما ظهرا من خلال التفاصيل التي وردت في السياق وقد اكتفى بالإيماء إلى القرية الساحلية وإلى العاصمة ولكنها كانت تشير من خلال التفاصيل أنها قرية في منطقة الخليج العربي دون أن يحدد البلد.
أطوارُ الرواية ومحطاتُها حسب السياق ، مرت في
مرحلة الحياة الأولى في القرية
بعد ذلك الانتقال إلى العاصمة ومرحلة بناء الذات والثروة والحب الخائب ، ومعاناة بلال من سواد بشرته.
بعد ذلك الصراع مع صقر الحراش
والطور الأخير هو خذلانه من صديق عمره غُتام وكيدُه لبلال.

وظف الكاتب شخصيات الرواية، كنماذجَ تمثل الصراع بين الخير والشر :
شخصية بلال تجسد طبع ابن القرية ، تمثل القيم والطيبة ، الإنسان المتكل على الله في كل شأنه والذي يحسن الظن.
شخصية صقر الحراش تمثل الغطرسة والسلطة ، ورفض الآخر.
شخصية سليمى تمثل العقل والوعي والحذر من الآخرين
شخصية “غوتام” تمثل الطمع وحب المال والطموح الأعمى.
شخصية سعدون تمثل القوة والتهور
شخصية مطر تمثل الصادق الورع
ولقد اصطرعت تلك الشخصيات فيما بينها ، مجسدة مسرح الحياة ، ومشخصة الواقع بشتى أبعاده .
مع رغبة الكاتب بالتصرف في مكانية الرواية حيث جعل الصراع يدور في مكانين ، وطن بلال ، والهند وطن غوتام ، ربما ليثبت أن الخير والشر لا يُحصران في مكان محدد ، فهما موجودان حيث وجد الإنسان ، منذ قابيل وهابيل.
الهدف / ، تجسيد الصراع الوجودي بين الخير والشر ، وتوثيق لمرحلة زمانية ومكانية قديمة ، مع الحرص على إبراز الحياة الشعبية.
الخلاصة / الصراع مستمر على سطح الأرض ، ولكن على الإنسان أن يكون طيبا وليس ساذجا ، الحياة تتغير وتنقلب ، الأغنياء يصبحون فقراء والعكس .
في النهاية كلنا بشر وإن اختلفت ألواننا ومنابتنا ، فالأصل والقيم هما المعيار. والحق سينتصر مهما غالبته يد الشر.
تبقى الرواية عملا مشوقا، وماتعا، وإن اعتراها الإسترسال الذي لا يخدم مصلحة العمل، والإسهاب الذي حمَّل النص أكثر مما يحتمل . وأجدر ما يلاحظ ، تلك الإنطلاقة والإندفاعة القوية منذ بداية الرواية حتى وقوع بلال في الحب واعتزاله الفن إلى نهياة تلك المرحلة .بعدها خفتت جذوة ذلك التشويق واستحال السرد في مرحلة بناء الذات إلى أحداث ، نمطية ، خالية من التشويق والإثارة ، لتعود الموجة إلى الإرتفاع في الفصول الأخيرة حيث احتدم الصراع . جاء مقتل غوتام ، بمثابة إنهاء قصري للرواية حيث لم يسبق بإرهاصات ترمز ، إلى احتمالية قتله من أي جهة كانت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى