حمود الصهيبي يكتب لـ”درة” | أصابع لوليتا : رواية المنفى والذاكرة

كثيراً ما تثير الروايات المعقدة إشكالاً في التلقي، وتكشف الفجوة بين ما ينتظره القارئ وما يقدمه النص الأدبي المكثف، مما يراه البعض أنه عمل ممل، وهذا ما حدث مع رواية “أصابع لوليتا” لواسيني الأعرج، ذلك العمل الذي يمزج بين السيرة والتخييل، بين الشرق والغرب، بين المنفى والذاكرة. فثمة قراء يتعاملون مع النص بوصفه قصة عاطفية بسيطة، فيفوتهم بذلك الغوص في أعماق بنيته السردية المتداخلة، وتيار وعيه المتدفق، وتناصاته الخفية، وتعدد أصواته الحوارية. وهذا يقودنا إلى التساؤل عن طبيعة التلقي الأدبي، وعن الدور الفاعل للقارئ في إنتاج المعنى.
هذه الفجوة بين التلقي العادي والقراءة النقدية تذكرنا بنظرية “التلقي” أو “جمالية التلقي” التي تؤكد أن المعنى ليس كامناً في النص ينتظر من يكتشفه، بل هو نتاج لقاء بين النص والقارئ، وأن القارئ ليس متلقياً سلبياً بل شريك في إنتاج الدلالة. النص الأدبي يشبه النوتة الموسيقية التي لا تتحول إلى موسيقى إلا حين يعزفها عازف، والقارئ هو ذلك العازف الذي يمنح النص روحه وحياته. فالرواية المعقدة لا تكتمل إلا بمشاركة القارئ الفاعلة، والقراءة السطحية هي التي قد تجعلها تبدو مملة، بينما هي في عمقها غنية بالحياة والدلالات.
رواية “أصابع لوليتا” ليست نصاً يقرأ للمتعة العابرة، بل عمل فني يمزج بين الواقع والخيال، بين السيرة الذاتية والتخييل، بين الرسم والأدب، بين التاريخ والشعر. إنها تشبه اللوحة التشكيلية التي تحتاج إلى عين خبيرة، والكاتب واسيني الأعرج، ذلك الأستاذ في جامعة السوربون، تعمد في اختيار اسم بطل الرواية “يونس” ولم يأتِ الاسم اعتباطاً؛ فـ”واسيني” معناه المرادف للأنس كما هو اسم يونس، إضافة إلى أن الأحرف في كلا الاسمين متشابهة، أما لقبه “الأعرج” فأشار إلى مارينا التي تشير إلى القادم من البحر، وكأنه يعبر من ظلمات المنفى والذاكرة واللغة بحثاً عن نور لا يريحه، لأنه يكتشف أن الخلاص ليس في المكان بل في استعادة جزء مفقود من ذاته. فيحمله إشارة إلى الغارق في التأمل والبحث عن الحقيقة.
وهذا ما يجسده بطله “يونس مارينا”، ذلك المثقف العربي الذي يعيش أزمة هوية، يحمل جراح المنفى والملاحقة السياسية، ويتجول بين باريس ووطنه في رحلة زمنية متشابكة. يونس ليس مجرد عاشق يطارد لوحة مسروقة، بل هو الرجل الذي يحمل أمواجاً من الذاكرة، يبحث عن لوحة “المجدلية التائبة” التي سرقت من وطنه إلى أوروبا، وكأن البحث عن اللوحة هو البحث عن الوطن المسلوب، عن الهوية المفقودة، عن ذلك الجزء من الروح الذي تركه هناك مع الأصدقاء الذين ماتوا والكلمات التي سُجنت. وفي هذا البحث، تبرز لوليتا كرمز متعدد الطبقات، ليست مجرد إشارة لفتاة، بل هي الوطن نفسه، ولكن ليس الوطن الجغرافي، بل الوطن كجرح وحلم وموسيقى وفن، الوطن الذي لا يمكن استبداله بأي وطن آخر. البطل يطارد “لوليتا” كما يطارد وطنه المفقود، هي أنثى جميلة وغامضة، لكنه لا يستطيع امتلاكها بالكامل، وسرقة اللوحة ترمز لسرقة هوية الوطن وانتهاك حرمته في زمن العنف.
وفي تناقض صارخ مع هذه الرحلة الشرقية، تقف الشخصيات الأوروبية الثانوية: إيفا، إيتان دافيد، ربيكا، وماري، كمرايا نقدية تنكشف من خلالها العلاقة الاستعمارية المعقدة بين الشرق والغرب. هذه الشخصيات متماسكة فكرياً وسياسياً، تمثل البيئة الحاضنة أو المحيطة في الغرب، ولديها رؤى واضحة ومتصالحة مع هوياتها ومواطنها. “إيفا ” تقدم نفسها كأم روحانية تمنح المثقف العربي الملاحق مساحة للتنفس والحب غير المشروط، لكن حنانها يحمل نزعة “الأم البيضاء” التي تحمي الطفل الشرقي، وهو نموذج استعماري قديم. “إيتان دافيد” هو اليهودي المتصالح مع ذاته، الذي يمثل النقيض الصارخ للبطل العربي المشتت، فهو يعرف من هو، بينما يونس يبحث عن نفسه في مرايا الآخرين. أما “ربيكا” فهي الضمير الأوروبي الناقد، صوت عقلاني يعارض حماسة البطل أحياناً، تذكره بأن أوروبا ليست جنة ولا جهنم، بل فضاء معقد، لكن نقدها لا يتجاوز الحدود الأكاديمية، فهي تستطيع التحدث عن الاستعمار لكنها في النهاية تعود إلى بيتها الدافئ. أما “ماري”، فهي المرآة الأنثوية المقابلة “للوليتا”، البديل الأوروبي القريب، تحب البطل لكنها تدرك أنه يعشق شبحاً، فتتحول إلى رمز للخيارات العاطفية المستحيلة في زمن المنفى.
إنهم يتحدثون الفرنسية بطلاقة، ويحللون العنف في الوطن العربي بعقلانية، ويقدمون التعاطف الصادق، لكنهم في النهاية يعودون إلى بيوتهم الدافئة، بينما يظل البطل غارقاً في ظلمات ذاكرته، يحاول أن يشرح لامرأة أوروبية معنى الغربة وهي لا تعرف كيف يكون أن تخاف على حياتك لأنك كتبت كلمة حرية. هذه العزلة المضاعفة، حيث تكون وحيداً حتى بين من يحبونك، هي جوهر المأساة التي يصورها واسيني بواقعية قاسية لكنها صادقة، لأنه يعرف أن الفهم الكامل بين الثقافات ربما يكون حلماً جميلاً لكنه مستحيل.
لكن السؤال الأكثر إيلاماً يبقى: لماذا يرفض يونس ماري، تلك المرأة الأوروبية التي تقدم له الحب والأمان والاستقرار، ويعود شوقاً إلى لوليتا التي تمنحه الألم والغموض؟ الجواب يكمن في أن لوليتا ليست مجرد امرأة، بل هي الوطن نفسه، الوطن الذي لا يمكن استبداله بأي وطن آخر حتى لو كان أكثر أماناً. فماري تمثل الحاضر الفردي، حياة هادئة ومستقرة، لكنها لا تتطلب منه أي تضحية، بينما لوليتا تتطلب المخاطرة والحنين والألم، وهذه التضحية هي ما تثبت له أنه حي، وأن له جذوراً تمتد إلى تاريخ عائلته وجراح وطنه ولغة أمه. باختياره لوليتا، هو يرفض الانفصال عن جماعته ويرفض الاستسلام للبديل الغربي، ويعلن أن حرية اختيار الهوية أهم من الأمان الذي يقدمه الغرب.
وهذه الرواية هي رواية تخييل ذاتي بامتياز، فالتشابهات بين واسيني الأعرج وبطله :يونس مارينا” ليست مجرد مصادفة أو اعتباطاً في اختيار الاسم، بل هي اندماج متعمد بين السيرة والرواية، يؤكده تقارب الاسمين في المعنى والدلالة. لكن واسيني لا يكتب سيرة ذاتية تقليدية، بل يكتب ما يشبه السيرة المهجنة، لتصبح الرواية قصة كل مثقف عربي في المنفى. بإخفاء الذات خلف شخصية يونس، ليمنح القارئ مساحة للإسقاط والتأويل، وهنا تتجلى نظرية التلقي في أبهى صورها، فالقارئ مدعو لأن يملأ فراغات النص، أن يسقط تجربته الشخصية وثقافته، أن يرى في لوليتا وطنه هو، أن يفهم أن هذه الرواية ليست سيرة واسيني، بل هي سيرة كل من حمل جرحاً لا يندمل، كل من عبر البحر بحثاً عن خلاص فوجد أن الخلاص الحقيقي يكمن في العودة إلى الجرح نفسه.
وفي النهاية، الرواية تبقى دعوة لأن نحب جراحنا، لأن نختار أوطاننا رغم ما فيها، لأن نؤمن بأن الهوية ليست شيئاً نمتلكه، بل شيئاً نبحث عنه طوال الحياة، وأن أجمل ما في البحث هو الرحلة نفسها، بكل غموضها وألمها، لأنها الرحلة التي تجعلنا من نحن.