مبارك البوادي يكتب لـ “درة”| ” أنا ماني حاكي “

عبارة قصيرة نسمعها كثيراً، لكنها في أحيان كثيرة ليست دليلاً على قلة الكلام، بل على كثرة ما يختلج في الصدر من كلام.
هناك أشخاص يحملون في داخلهم قصصاً وحكايات ومشاعر وآراء لا تنتهي، لكنهم يختارون الصمت. ليس لأنهم لا يعرفون ماذا يقولون، بل لأنهم يعرفون جيداً ماذا سيحدث بعد أن يقولوا. يخافون من سوء الفهم، ومن ردود الأفعال المتسرعة، ومن الكلمات التي قد تعود إليهم على هيئة لوم أو خصام أو جرح لا يندمل.
لذلك تجد أحدهم يجلس بين الناس، يسمع أكثر مما يتكلم، ويعرف أكثر مما يُظهر، وعندما يُسأل عن رأيه يكتفي بابتسامة خفيفة ويقول : ” أنا ماني حاكي “.
وفي الحقيقة، هو يختصر بهذه العبارة صفحات طويلة من الحديث. لديه رأي، ولديه ملاحظة، ولديه قصة كاملة، لكنه قرر أن يحتفظ بها لنفسه. فقد تعلم من تجارب الحياة أن بعض الكلام لا يغير شيئاً، وأن بعض الحقائق لا يتقبلها الجميع، وأن الصمت أحياناً أقل كلفة من الشرح
الطويل.
ومع مرور الأيام يصبح الصمت عادة، لا ضعفاً ولا عجزاً، بل نوعاً من الحكمة. فليس كل ما يُعرف يُقال، وليس كل ما يُقال يجد آذاناً تسمع أو قلوباً تفهم.
وكم من شخص قال : ” أنا ماني حاكي “،
بينما في داخله ضجيج من الأفكار والكلمات. وكم من إنسان آثر الصمت احتراماً للود، أو حفاظاً على العلاقات، أو هرباً من جدال يعرف نتيجته مسبقاً.
لذلك لا تظن أن الصامت لا يملك كلاماً، فربما يكون أكثر الحاضرين كلاماً في داخله. لكنه اختار أن يجعل حديثه لنفسه، وأن يترك بعض الأسرار والأفكار حبيسة صدره.
فعبارة: ” أنا ماني حاكي ”
ليست دائماً نهاية الحديث، بل قد تكون عنواناً لحكاية طويلة لم تُروَ بعد.
[email protected]