د. نور العوفي تكتب لـ”درة” | عندما تتحول العودة إلى المدرسة إلى معركة داخل البيت… ماذا يحدث لأطفالنا؟

مع اقتراب العودة إلى المدرسة، تبدأ في كثير من البيوت معركة صغيرة لا يراها أحد من الخارج.
طفل يرفض النوم مبكرًا، وآخر يرفض الاستيقاظ، وثالث يبدأ بالتذمر من المدرسة قبل أن تبدأ أصلًا…
وأم تشعر أنها تخوض كل صباح معركة جديدة، وأب يعتقد أن الحل هو الحزم أكثر.
نقول للطفل:
«خلص، العطلة انتهت.»
«لازم تتعوّد.»
«كل الأطفال بيروحوا عالمدرسة.»
لكن ماذا لو كان وراء هذا الرفض شيء أعمق من مجرد «دلع» أو «كسل»؟
أحيانًا الطفل لا يرفض المدرسة…
بل يرفض الشعور الذي ارتبط في داخله بالمدرسة.
قد يكون خائفًا من الفشل، أو من معلمة جديدة، أو من زملاء لا يشعر بينهم بالأمان.
قد يكون قلقًا من مستوى دراسي لم يعد واثقًا من قدرته على مواكبته.
وقد يكون ببساطة قد أمضى أسابيع طويلة في نمط مختلف تمامًا، فأصبح الانتقال المفاجئ إلى الروتين المدرسي ثقيلًا على جهازه النفسي.
ولهذا، فإن العودة إلى المدرسة ليست مجرد تغيير في مواعيد النوم والاستيقاظ…
إنها انتقال نفسي كامل يحتاج إلى تهيئة.
لماذا يصبح الطفل عصبيًا مع بداية العام الدراسي؟
لأن القلق عند الأطفال لا يظهر دائمًا على شكل «أنا خائف».
أحيانًا يظهر على شكل:
عناد وصراخ.
بكاء لأسباب تبدو بسيطة.
ألم في البطن أو الرأس قبل المدرسة.
رفض تجهيز الحقيبة أو ارتداء الزي.
صعوبة في النوم.
التعلق الزائد بالأم.
نوبات غضب متكررة.
تراجع مفاجئ في الرغبة بالدراسة.
أو حتى قول الطفل: «ما بدي روح عالمدرسة.»
وهنا تقع بعض الأسر في الخطأ الأكثر شيوعًا:
تحاول معالجة السلوك قبل أن تفهم الشعور الذي وراءه.
نحاول أن نوقف البكاء، بدل أن نسأل:
«شو اللي مخوّفك؟»
نرفع صوتنا بسبب رفضه، بدل أن نكتشف ماذا يحاول أن يخبرنا بهذا الرفض.
الطفل لا يحتاج فقط إلى جدول… يحتاج إلى شعور بالأمان.
قبل بداية المدرسة، ساعدي طفلك على العودة تدريجيًا إلى الروتين.
قدّمي له موعد النوم والاستيقاظ بالتدريج، تحدثي معه عن المدرسة بطريقة واقعية وإيجابية، وشاركيه في تجهيز حقيبته وملابسه.
لكن الأهم من ذلك كله…
اسمعيه ،اسأليه:
«شو أكتر شي متحمس له بالمدرسة؟»
ثم اسأليه:
«وشو أكتر شي ممكن يزعجك أو يخوفك؟»
ولا تتسرعي في تقديم الحلول.
أحيانًا الطفل لا يحتاج أن نقول له:
«ما تخاف، ما في شي.»
بل يحتاج أن يسمع:
«أنا فاهمة إنك خايف… وأنا رح ساعدك تتعامل مع هالشعور.»
هذه الجملة البسيطة تمنحه شيئًا بالغ الأهمية:
الأمان النفسي.
وماذا عن الطفل الذي يقول: «أنا ما بحب المدرسة»؟
لا نبدأ بمحاضرته عن أهمية التعليم.
ولا نقول له فورًا: «إنت ما بتعرف مصلحتك.»
بل نحاول أن نفكك الجملة. لأن «ما بحب المدرسة» قد تعني:
«أنا خايف أفشل.» أو: «أنا مش مرتاح مع زملائي.»
أو: «أنا ما بفهم الدروس مثل قبل.» أو:
«أنا تعبت من المقارنة.»
أو: «أنا ما بعرف كيف أطلب المساعدة.»
وأحيانًا قد تعني ببساطة:
«أنا بحاجة لحدا يفهمني.»
العودة إلى المدرسة فرصة لإعادة بناء الثقة… وليس فقط إعادة بناء الروتين.
إذا كان الطفل قد مرّ بتجربة مدرسية صعبة في العام السابق، فلا نبدأ العام الجديد بتذكيره بأخطائه.
لا نقول: «إن شاء الله هالسنة ما تعمل متل السنة الماضية.»
ولا: «بدنا نشوف إذا رح تضل مهمل.»
لأن الطفل قد يدخل الصف الجديد وهو يحمل صورة قديمة عن نفسه:
«أنا فاشل.» «أنا مش شاطر.» «أنا دايمًا بعمل مشاكل.»
وهنا يأتي دور الأسرة في مساعدته على كتابة قصة جديدة عن نفسه.
قولي له:
«السنة الماضية كانت فيها أشياء صعبة، بس هيدا ما بيحدد مين إنت.»
«خلينا نشوف شو فينا نعمل بطريقة مختلفة هالسنة.»
هذا النوع من الكلام لا يعني أن نلغي المسؤولية أو نتساهل مع الطفل.
بل يعني أن نفرّق بين:
تصحيح السلوك… وتحطيم صورة الطفل عن نفسه.
ولا تنسي أن الطفل ليس الوحيد الذي يحتاج إلى الاستعداد.
الأهل أيضًا يحتاجون إلى الاستعداد النفسي.
لأن توتر الأم ينتقل إلى الطفل.
عندما تكون الأم طوال الصباح مستعجلة، غاضبة، تصرخ، وتكرر: «يلا! تأخرنا!»
قد يصل الطفل إلى المدرسة بجسمه…
لكن جهازه العصبي يكون قد وصل إليها وهو في حالة استنفار.
لذلك، كلما استطعنا أن نجعل صباح المدرسة أكثر هدوءًا وتنظيمًا، ساعدنا الطفل على الدخول إلى يومه بحالة نفسية أفضل.
ليس المطلوب أن يكون البيت مثاليًا.
المطلوب فقط أن يكون فيه قدر كافٍ من الهدوء والأمان والتوقع الواضح.
وأهم رسالة في بداية العام الدراسي:
لا تجعلوا قيمة الطفل مرتبطة بدرجاته.
ساعدوه أن يعرف أن النجاح ليس فقط علامة عالية.
النجاح أن يحاول بعد أن خاف.
أن يسأل عندما لا يفهم.
أن يطلب المساعدة. أن يتعلم من خطئه.
أن يعرف كيف ينظم وقته. وأن يعود إلى البيت وهو يشعر:
«أنا محبوب… حتى عندما أخطئ.»
فالطفل الذي يشعر بالأمان لا يصبح بالضرورة طفلًا بلا مشاكل، لكنه يصبح طفلًا أكثر قدرة على مواجهة مشاكله.
ومع بداية عام دراسي جديد، ربما يكون أجمل ما نقدمه لأطفالنا ليس حقيبة جديدة، ولا قرطاسية جديدة، ولا حتى جدولًا دراسيًا مثاليًا…
بل أن نقول لهم:
«أنت مش مطلوب منك تكون كامل…
أنا بدي ساعدك تكون أحسن نسخة من نفسك، خطوة خطوة.»
لأن المدرسة مهمة… لكن سلام الطفل النفسي أهم.
ومن قلب الأسرة، نتذكر دائمًا:
وراء كل سلوك طفل… شعور يحتاج أن يُفهم، لا أن يُعاقب فقط.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
د. نور العوفي
مختصة في الإرشاد النفسي والأسري