(23) رسالة ماجستير من “مسار الأدب والنقد”

بقلم / حمود الصهيبي  

في اعتكافي الصيفي، غصتُ في قراءة (23) رسالة ماجستير من “مسار الأدب والنقد” بجامعة الحدود الشمالية؛ وكانت رحلة تأملية كشفت لي عن تنوع البحث الأكاديمي ومستوياته. في المجمل، وجدت الرسائل جيدة، لكن (سبعاً) منها تمكنت من تجاوز المألوف عندي وتركت أثراً عميقاً في قراءتي.
كانت البداية مع رسالة جمال الشمري عن “القصة القصيرة جداً”، والتي مثلت بالنسبة لي نموذجاً للتكامل الأكاديمي بامتياز. ما لفت نظري فيها هو التلاحم العضوي بين المنهج “الميكرو سردي” المبتكر وطبيعة النصوص القصيرة المدروسة، وكيف استطاع الباحث أن يحدد إشكالية واضحة ويعالج فجوة بحثية حقيقية، مما جعلها تستحق المركز الأول في تقديري. تبعتها رسالة تهاني الحارثي عن “التخييل الذاتي” في رواية عبد القادر الشاوي، وهي رسالة كادت أن تكون نداً للأولى، لكونها تميزت بعمقها الفلسفي في مقاربة الحدود المتداخلة بين السيرة والتخييل، باستخدام منهج أجناسي دقيق، لدرجة أنها دفعتني لكتابة ورقة مستقلة عن مفهوم التخييل الذاتي نفسه.
أما رسالة سعود الرماحي عن “التجريب في ثلاثية فرسان وكهنة”، فكانت مغامرة سيمائية ناجحة في تفكيك نصوص روائية معقدة، أثبتت فيها قدرة المنهج على كشف مستويات الدلالة في النصوص التجريبية. وجاءت رسالة التفاعل النصي في رواية “موت صغير” لمحمد حسن علوان لتبرز قوة التطبيق النقدي الدقيق، ونظرية التناص عند جينيت لتقديم دراسة تطبيقية متقنة.
واتجهت رسالة شريفة العنزي في “مقتل كليب وائل” إلى آفاق أخرى، حيث وازنت بين السرد التاريخي والسيرة الشعبية لحدث واحد، في دراسة ثرية كشفت عن تشكل الأسطورة والحكاية الشعبية. وتألقت رسالة عودة العنزي عن “شعرية الأشياء” عند شوقي أبي شقرا بطابعها الفلسفي الجمالي، حيث بحثت في العلاقة الوجودية بين الذات والعالم عبر الأشياء. وأخيراً، تميزت رسالة مشاعل العنزي عن تلقي النقد الثقافي بجرأتها المنهجية، إذ انتقلت من دراسة النصوص إلى دراسة كيفية تأويل النقد الثقافي نفسه، وهو منظور تلقي متجدد يفتح آفاقاً بحثية جديدة.
خرجت من هذه الرحلة بعدة قناعات، أهمها أن التميز الأكاديمي لا يرتبط بموضوع معين، بل بكيفية المعالجة والجرأة في تجاوز المكرر. الرسائل المتميزة كانت كذلك لأن أصحابها اختاروا طرقاً غير معبدة، وطرحوا أسئلتهم الخاصة بدلاً من تقليد الآخرين. كما لاحظت تحولاً ملحوظاً نحو دراسة السرديات الحديثة والنصوص السعودية المعاصرة بمناهج نقدية متنوعة، وهو اتجاه واعد يعكس نضجاً في البحث الأكاديمي. وإذا كنت تفكر في اختيار عنوان رسالتك، فتذكر أن التميز يبدأ من حيث ينتهي المألوف، فلا تفكر مثل الآخرين، بل ابحث عن فجوتك، عن السؤال الذي يراودك أنت وحدك، واختر منهجاً يليق به، لأن النقد الحقيقي في النهاية هو فن الاختلاف.
ومع هذا الحضور اللافت للحداثة والتجريب، لم يغب عن ذهني سؤال آخر: فقد لفت انتباهي غيابٌ لافت لأسماء الرواد الكبار في الرواية السعودية، مثل عبد القدوس الأنصاري وأحمد السباعي وأحمد أبو دهمان وعبد الرحمن منيف وغازي القصيبي، وتجربة سعيد السريحي، بينما حضرت أسماء أقل شهرة أو من جيل أحدث، بينما تظل أعمال الرواد بعيدة عن الأضواء الإعلامية، كأنما شهرة النص هي معيار حضوره في الأكاديمي. هكذا، يُهمش الرواد ليس لقلة قيمتهم، بل بسبب فجوة منهجية وجيلية، وهذا الاتجاه يثير تساؤلاً عميقاً: هل دور النقد هو استكشاف الموروث وتأصيله، أم هو مواكبة الحداثة وتطبيق مناهجها؟ ويؤكد حاجتنا إلى مشروع نقدي واعٍ يستعيد التوازن، ويدرس الرواد بما يليق بقيمتهم التأسيسية، لأن جذور الشجرة لا تقل أهمية عن ثمارها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى