المقارنة بين الأبناء… جرح لا يراه أحد !

بقلم: د. نور العوفي  

:

من قلب الأسرة
بقلم: د. نور العوفي
مختصة في الإرشاد النفسي والأسري

“ليش ما بتصير شاطر مثل أخوك؟”
قالها الأب وهو يظن أنها مجرد جملة عابرة تشجّع ابنه على الاجتهاد اكثر
ساد الصمت…
لم يرد الطفل، لكنه في داخله لم يسمع كلمات تحفيز ، بل سمع رسالة مختلفة تمامًا:
“أنا لست جيدًا بما يكفي.”
وربما منذ تلك اللحظة، لم يعد ينافس أخاه… بل بدأ ينافس نفسه في معركة خاسرة، يبحث فيها عن قبولٍ يشعر أنه لا يناله إلا إذا أصبح شخصًا آخر.
كثير من الآباء والأمهات يقارنون بين أبنائهم بدافع التحفيز، معتقدين أن المقارنة ستدفع الطفل إلى بذل المزيد من الجهد.
لكن الحقيقة النفسية تقول شيئًا مختلفًا…
فالطفل لا يسمع المقارنة كتحدٍ، بل يترجمها إلى شعور بالنقص، وكأن قيمته أصبحت مرتبطة بكونه أقل من أخيه أو أخته.
ومع تكرار هذه الرسائل، يبدأ الطفل ببناء صورة مشوهة عن نفسه.
قد يفقد ثقته بقدراته، أو يشعر أنه مهما حاول فلن يكون كافيًا، أو يحمل غيرة صامتة تجاه أخيه، لا لأنه يكرهه، بل لأنه يتمنى أن يحظى بالحب والتقدير نفسيهما، و قد تتحول هذه المشاعر إلى كراهية و حقد اذا استمر الوالدين في انتقاده و مقارنته كل مرة بأخيه
والأكثر ألمًا أن آثار المقارنة لا تتوقف عند الطفولة.
فكم من بالغٍ ما زال يعيش حتى اليوم وهو يقارن نفسه بالآخرين، ويشك في قدراته، ويشعر أنه لا يستحق النجاح… لأن بذرة هذا الشعور زُرعت في طفولته.
فالطفل الذي يسمع باستمرار: “أختك أذكى منك.” أو: “أخوك أكثر أدبًا.”
قد يكبر وهو يعتقد أن قيمته لا تأتي من شخصه، بل من تفوقه على غيره.
وهنا يصبح الإنجاز وسيلة للهروب من الشعور بالنقص، لا وسيلة لتحقيق الذات.
لكن هل يعني ذلك أن نتجاهل الفروق بين الأبناء؟
بالطبع لا.
فكل طفل يملك شخصية مختلفة، وقدرات مختلفة، وطريقًا مختلفًا للنمو.
دورنا ليس أن نجعل أبناءنا نسخًا متشابهة، بل أن نساعد كل واحد منهم على اكتشاف أفضل نسخة من نفسه.
بدلًا من أن نقول: “انظر إلى أخيك.”
لنقل: “أنا أرى تقدمك، وأفتخر بالجهد الذي تبذله.”
وبدلًا من مقارنة طفل بآخر، فلنقارن الطفل بنفسه…
هل أصبح اليوم أفضل مما كان عليه بالأمس؟
هذه هي المقارنة الوحيدة التي تبني الثقة، وتشجع النمو، وتحافظ على المحبة بين الإخوة.
فالأسرة ليست ساحة منافسة، بل المكان الذي يجب أن يشعر فيه كل طفل بأنه محبوب، ومقبول، ومقدّر، دون أن يضطر لإثبات أنه أفضل من أحد.

رسالة لكل أب وأم
قد تنسى أنك قلت يومًا: “لماذا لا تصبح مثل أخيك؟”
لكن طفلك قد يحمل هذه الجملة في قلبه سنوات طويلة.
فالكلمات التي نقولها في لحظات عابرة، قد تتحول إلى الصوت الداخلي الذي يرافق أبناءنا طوال حياتهم.
ازرعوا في كل طفل شعورًا بأنه مميز بطريقته، وأن قيمته لا تُقاس بمقارنته بأحد، بل بما يحمله من صفات، وجهد، وإنسانية.
فالطفل الذي يشعر أنه مقبول كما هو… لا يحتاج أن يقضي عمره كله محاولًا إثبات أنه يستحق الحب.

همسة تربوية
لا تُربِّ أبناءك على أن يكونوا أفضل من بعضهم…
بل ربِّهم على أن يكون كل واحد منهم أفضل مما كان عليه بالأمس.

سؤال الأسبوع للقراء:
هل تتذكر كلمة مقارنة سمعتها في طفولتك وما زال أثرها معك حتى اليوم؟ أم أن كلمة تشجيع واحدة غيّرت نظرتك إلى نفسك؟ شاركونا تجاربكم، فربما تكون قصتكم سببًا في أن ينتبه والد أو والدة إلى أثر كلماتهم قبل أن تتحول إلى جرح لا يُرى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى