زهور كياري تكتب لـ”درة” | عانية الزواج… بين الإدانة والإحسان

بقلم / زهور كياري  

ما إن فتحت الظرف حتى وجدت مئتي ريال، فانفجرت أمام الحاضرين قائلة: لقد قدمت لكِ رِفدًا أضعاف هذين المئتين في مناسبات عدة، والآن في أول مناسبة لي تأتين إليّ بمئتي ريال فقط؟!

ومن جانب آخر، قام أحد الأصدقاء برفع دعوى صدرت في أثرها تنفيذ حكم بمطالبة مبلغ قدره 25 ألف ريال، حيث قدمه كعانية زواج لذلك الصديق ولم يرد له حين أقام المدعي زواجا له!
فتحولت المسألة إلى دعوى قضائية انتهت بحكم تنفيذي للمطالبة به.

موقفان مختلفان، لكنهما يكشفان تحولًا واحدًا:

عندما تتحول التوقعات إلى استحقاقات نفسية، لا يعود الإنسان يرى ما أُعطي له، بل ما كان يتوقع أن يحصل عليه.
فيصبح القليل إهانة، والمختلف عن المعتاد تقصيرًا، ومن لم يردّ الجميل بالطريقة المتوقعة موضع إدانة.
ومن هنا يبدأ السؤال: ما الغاية من العانية؟
هل هي قرضٌ اتُّفق عليه مسبقًا، فيلزم صاحبه ردّه؟
أم هي هديةٌ يُرجى بها إدخال السرور وإعانة المقبل على الزواج؟
وإذا تحوّل العُرف إلى مطالبة ضمنية بأن يرد المتلقي ضعف ما تلقى، فهل بقي العطاء عطاءً، أم أصبح رصيدَا في دفتر حسابات اجتماعي ينتظر الاستيفاء؟
وللإجابة على تلك التساؤلات ينبغي علينا الرجوع إلى مقصد الشريعة في الحث على التعاون على البر والتقوى، إذ جعلته وسيلة من وسائل التراحم والتكافل قال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2].
وهذا ليس شعورََا مجردََا فحسب، بل سلوكاَ يهدف إلى تقوية الروابط الاجتماعية.
ويتضح ذلك من خلال موقف النبي ﷺ مع جابر رضي الله عنه، عندما علم النبي بحاجته وأراد إعانته على الزواج دعا لجمله حتى قوي بعد أن كان عليلاَ يبطأ في السير، ثم اشترى منه بثمنه كاملاََ، ثم رد الجمل لجابر كهدية له، فجمع بذلك بين المساندة المادية والمعنوية وحفظ له كرامته،
ولم يكن فعله ﷺ مجرد إعانة، بل إحسانا يراعي ويصون مشاعر الآخرين.

ومن هنا يمكن القول: إن العانية في أصلها صورة من صور التكافل الاجتماعي؛ يمدّ فيها الإنسان يده إلى المقبل على الزواج، ليخفف عنه أعباء البداية، ويشاركه فرحته، ويقول له بطريقة عملية: لسْتَ وحدك.
لكن المشكلة تبدأ حين تتحول هذه الروح من «أعطيك لأعاونك» إلى «أعطيك فكيف سترد؟»، ومن المبادرة إلى المقارنة، ومن العطاء إلى دفتر الحسابات.

فكيف نتأسى بالرسول ﷺ في عطائنا ليكون وسيلة للتراحم لا سببا للإحراج أو لإثقال كاهل الناس بتوقعات فرضناها في أذهاننا؟

وعلاوة على ذلك، فالناس مختلفون في ظروفهم وقدراتهم، وهذا أمر فطري, وليس كل من قلّ عطاؤه بخيلًا، كما أن كثرة العطاء لا تعني بالضرورة أن صاحبه أكثر راحة أو أوسع قلبًا.

هناك من يعطي لأنه يرى في العطاء عبادة، وهناك من يعطي خوفًا من فقدان مكانته في قلوب الناس.
والفارق بينهما ليس في قيمة المبلغ، بل في البوصلة التي تحرك العطاء.

حين يكون العطاء لله، لا يحتاج صاحبه إلى أن يضع على عطائه فاتورة مؤجلة، ولا إلى أن يراقب مقدار ما سيعود إليه من الآخرين.
أما حين ينتظر العطاء مقابلًا اجتماعيًا، فقد يتحول الجميل مع الوقت إلى حق، والحق إلى مطالبة، والمطالبة إلى خصومة.

لذلك ربما لا يكون السؤال الأهم: كم نعطي؟
بل: ماذا يحدث للعطاء حين ننتظر أن يعود إلينا؟

إن أعظم العطاء ما كان إحسانًا لا يُذل، ومساندةً لا تُثقل، وكرمًا لا يتحول بعده صاحبه إلى دائن.
فالعانية التي بدأت لتعين عروسًا أو عريسًا على بداية حياته، لا ينبغي أن تنتهي بخصومة بين الأقارب والأصدقاء.
وإنني أوقن أن أعظم العطاء ما كان خالصًا لله، دون أن تبتغي به ثوابًا من الناس، ما لم يكن في إطار تجارة أو عقدٍ مشروع.
ومن يُحسن ابتغاء وجه الله فلن يضيع الله أجره؛ قال سبحانه: ﴿ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [يوسف: 56].

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى