بشرى الحويطات تكتب لـ “درة”| صوارم الكبرياء حين يُطوى الوداد

في دروب العلاقات الإنسانية، يمر المرء بمحطات تصقل معدنه، وتتعرى على عتباتها الشواهد، حيث تصبح العزة حجابًا منيعًا يقي الروح هوان الملامة ورخص الخضوع، وحين يسقط الود وتبطل عهود الصداقة، لا يتبقى للشاعر الفارس إلا جَزَالَة اللفظ وكبرياء النفس، ليصوغ من خيبة الأمل ملمحاً أدبياً تُكتب حروفه بماء الكرامة، وهو ما يتجلى في هذه القصيدة العذبة للشاعر رشيد الزلامي (رحمه الله).
يستهل الزلامي قصيدته بتأطير فلسفة العتاب وضوابطه في أدب الخصام؛ فالمعاتبة حقٌّ متبادل لا يُمنح إلا لمن يرعى عهود الود، مشيراً بأسلوب مجازي مستمد من البداوة والأصالة إلى ضرورة تفقد الإنسان ليده وفضله وموقفه قبل أن يطالب غيره بالحقوق:
يا صاحبي مال المشاريه داعي قدام تفرض شرهتك شم يمناك
يمتد التحليل إلى كينونة المشاعر الذاتية، فالقلب الوفيّ ليس محطة مشاعاً تستقبل زيف القول وتناقض الأفعال، بل هو مستقر أصيل لا يرتضي الانحدار إلى مجاراة الصغائر أو امتصاص الردى، فبعد أن أخبر اليد عاد لتعليم مشاعره قائلًا:
مشاعري ما هيب نقلٍ جماعي اجمع بها حكيك واسوي سواياك
وعندما تنجلي الحقائق ويظهر تداعي التقييم القديم، يمارس الشاعر شجاعة التراجع الفكري والأدبي؛ فإسباغ صفات الود والعز (“طويل الذراع”) على من لا يستحقها ليس دائمًا، وسحب الثناء رجوعٌ إلى الحق وثباتٌ على المبدأ:
العام قلت انك طويل الذراعي واليوم ابسحب كلمتي واتحداك
يتعمق النص في تصوير حسرة النبل حين يُبذل في غير موضعه، حيث أهدر الشاعر طاقاته في الذود عن صاحبه ورفع مكانته الاجتماعية والمعنوية ، لتكون النتيجة نكراناً يفرض حصانة الذات واسترداد الهيبة:
دافعت عنك ولا نفعني دفاعي وسويت لك قيمه وكبرت مركاك
وبعد الدفاع الشجاع، ورفع المكانة، ومع استنزاف آخر فرص التغاضي وتبدد أثر المعروف، يصل النص إلى قناعة صارمة مفادها أن الاستمرار في العطاء الضائع ضرب من عبث السعي، فيغدو الفراق هو المطلب النبيل والوحيد المتبقي:
ومدام كل الي فعلناه ضاعي ما فيه شي نطلبه غير فرقاك
كان مطلب الشاعر الفراق، لكن فراق على عز؛ فهو الذي يرفض رد الخيبة بمثلها، فبعد الذي مضى، تتجلى الحقيقة كاملة بغير رتوش، ليُسقط الشاعر الأقنعة ويكشف رداءة المسعى، مؤكداً أن الجزاء من جنس العمل، وأن القاطع لا يستحق سوى القطيعة التي صاغها بفعله:
بعد كشفتك ياردي المساعي مالك علينا واجب غير ماجاك
وبعد أن كشف المساعي لم يسحب ما صنع بل أوقفه، فهنا يحل الصمتُ الفاصل وتُطوى الصحائف؛ فالوداع ليس انكساراً بل هو صدٌّ واعي وتحديد دقيق للمسؤوليات الأخلاقية، حيث يُحمّل الطرف الآخر التبعة الكاملة لذنوبه وخطاياه:
صديت عنك وحان وقت الوداعي والذنب ذنبك والخطايا خطاياك
بلغة تحويلية ساخرة تحمل عمق الاستهانة بالخذلان، يختزل الزلامي مكانة الصاحب السابق؛ إذ يحوله من موضع التقدير إلى مجرد “مطب صناعي” لا يعيق المسيرة، بل يُتخطى بثبات الخطو ومكابرة الكبرياء:
اليوم خليتك مطب صناعي امر وانته معترض واتعداك
وتصل النبرة الشاعرية إلى ذروتها في بيت الفخر والأنفة، حين يستدعي الشاعر تاريخ الصمود وتجاوز الأخطار الجسام، مستنكراً أن تقف القامات السامية عند من دونها في الشأن والمعدن:
وحنا وطينا فوق روس الافاعي وشلون ناقف عند مثلك وشرواك
تختتم القصيدة بهذه اللوحة من الهيبة والشموخ، حيث يضع الشاعر نفسه في مرتبة من يتطاول على الأخطار ودهس الأفاعي، مستنكراً أن يتوقف مساره أو تشغل باله قامات ضئيلة لا تملك من شيم الرجال شيئاً. وبذلك ترسم أبيات رشيد الزلامي هندسة متكاملة تعبر بالمتلقي من رفض العتاب والتبرؤ من الفضل، وصولاً إلى التجاوز الساخر والافتخار الذي يضع كل ذي قدر في قدره المستحق.
في ختام هذا المقال، تقف قصيدة الشاعر رشيد الزلامي (رحمه الله) كشاهدٍ عدلٍ ووثيقةٍ ينبض فيها أدب الفراق بشموخ الاعتزاز بالنفس، لقد صاغ فيها ميزانًا دقيقًا يستشف أغوار الروح البشرية، متجاوزًا عابر السخط وشكايات اللحظة، ليرسم ملمحًا مكتملًا لكبرياء الترفّع، ولين المداراة في أيّام الوصل، ومهابة الحزم عند انكسار العهود وتمام القطيعة.