بطن الحوت

بقلم / دارين محمد الدويري  

في ظلمات البحر، وفي جوف الحوت، كان نبي الله يونس عليه السلام في موضعٍ لا تصل إليه عيون الناس، ولا تمتد إليه أيديهم. ظلماتٌ بعضها فوق بعض، ومكانٌ لا يستطيع الخروج منه، وأسبابٌ انقطعت، وأبوابٌ لا يملك فتحها. لا أحد يراه، ولا أحد يستطيع أن ينقذه .

تخيّل أن تجد نفسك في موضعٍ لا تستطيع فيه تغيير شيء، ولا تملك سوى أن تنتظر ما يأتي به الله. فكيف إذا اجتمعت عليك الظلمات، وانقطعت عنك الأسباب، ولم تعد ترى سبيلًا للنجاة؟

هناك، في ذلك الموضع الذي لا يملك فيه الإنسان حولًا ولا قوة، توجّه النبي يونس عليه السلام إلى ربّه، لا يحمل معه إلا إيمانه وافتقاره إليه ،معترفًا بذنبه فنادى بهذا الدعاء العظيم:

﴿لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: 87].

كلماتٌ قليلة، لكنها تحمل معاني التوحيد والتنزيه والاعتراف بالتقصير؛ وكأنها تعلّمنا أن الطريق إلى الله لا يحتاج إلى كلماتٍ كثيرة بقدر ما يحتاج إلى قلبٍ يعرف ربّه، ويقرّ بضعفه، ويلجأ إليه.

فاستجاب الله لنبيّه، وأنجاه من الغم، وجعل في قصته آيةً لكل مؤمن يرجو فرجه ورحمته، فقال سبحانه:

﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَٰلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: 88].

ما أعظم أن يكون الله ملجأنا حين تضيق بنا السبل، وما أعظم رحمته حين تنقطع الأسباب التي نراها، ويبقى بابُه مفتوحًا لا يُغلق!

لكن، ماذا لو انتقلنا من قصة يونس عليه السلام إلى حياتنا؟ ما الحوت الذي أنت في باطنه الآن؟

ربما لا تحيط بك ظلمات البحر، لكنك قد تعيش ظروفًا تشعرك بأنك محاصر، لا تعرف كيف تخرج منها، ولا تملك تغيير ما يحدث، وقد تبحث عن حل فلا تجده، وتنتظر الفرج ولا تعرف متى يأتي. ربما تكون مشكلة أثقلت قلبك، أو أمرًا طال انتظاره، أو طريقًا لا تعرف كيف تواصل السير فيه. تختلف الظروف، لكن الشعور بالعجز أمام ما لا نملك تغييره قد يجعلنا نتساءل: ماذا نفعل الآن؟

في مثل هذه اللحظات، نعود إلى الله بقلوبنا، ونرفع أيدينا بالدعاء، ونشعر بمدى حاجتنا إليه. وقد نطيل الوقوف بين يديه، ونكثر من ذكره، ونتضرع إليه أن يفرّج همّنا ويكشف غمّنا، وكأن الشدة أعادتنا إلى باب لم يكن مغلقًا في يوم من الأيام.

وهنا يلحّ عليّ سؤال: لماذا ننتظر حتى نصل إلى بطن الحوت حتى نعود إلى الله؟ لماذا لا تكون علاقتنا به حاضرة في حياتنا كلها، في أيام السعادة والرخاء، كما هي في أيام الخوف والشدة؟

يقول الله سبحانه وتعالى:

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: 186].

آية تذكّرنا بقرب الله، وتفتح أمامنا باب الرجاء والدعاء. فلا نحتاج إلى انتظار محنة حتى نتوجه إليه، ولا إلى فقدان نعمة حتى نتذكر فضله؛ فنحن نحتاج إليه في جميع أحوالنا، نحمده على نعمه في الرخاء، ونلجأ إليه في الشدة، ونستعين به على ما يعيننا في حياتنا.

نحتاج إليه حين نعرف الطريق، وحين تختلط علينا الطرق، حين نملك الأسباب، وحين نعجز عن إيجاد مخرج. فلتكن صلتنا بالله حاضرة في أوقات اليسر والعسر، ولنجعل الصلاة والذكر والدعاء والأعمال الصالحة جزءًا من حياتنا في جميع أحوالنا.

وإذا وجدت نفسك يومًا في بطن حوتك، فلا تيأس من رحمة الله، ولا تظن أن انغلاق الأبواب يعني نهاية الطريق. تذكّر دعاء يونس عليه السلام، وتضرع إلى الله، وخذ بما تستطيع من أسباب، واستعن به فيما تعجز عنه، واترك له ما لا تملك تغييره.

لا تنتظر بطن الحوت حتى تعود إلى الله؛ فهو الذي لا تنقطع حاجتك إليه ما دمت حيًّا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى