للنص الواحد وجوه أخرى

بقلم / دارين محمد الدويري  

لم أكن أتوقع أن أخرج من لقاء عن الكتابة بنظرة جديدة إلى النصوص، لكن بعض التجارب تمنحنا أكثر مما جئنا من أجله.
في لقاء جمعنا حول الكتابة، بعنوان بين سطور النص رحلة بين الحرف والحذف والفكرة باختصار نقرأ نصًا، ثم نحذف منه بعض الكلمات أو نضيف إليه كلمات أخرى، لنصنع منه نصًا جديدًا. قد يكون امتدادًا للنص الأول، يضيف إلى فكرته ويمنحها أبعادًا أخرى، وقد ينتهي بنا الأمر إلى نص يناقضه تمامًا، وكأن قلمًا آخر كتب الحكاية من بدايتها.

كانت الكلمات أمامنا، لكن المعاني لم تكن حبيسة ما كُتب بها أول مرة. كلمة تُحذف، وأخرى تحل مكانها، فتتغير نبرة النص، وتتبدل وجهته، وربما يصبح ما كان يُعبّر عن الحزن حديثًا عن الأمل، أو ما بدا استسلامًا يتحول إلى بداية جديدة.

وهنا أدركت أن الكتابة ليست دائمًا أن نبدأ من صفحة بيضاء، بل قد تكون أن نمنح ما نقرأ عينًا أخرى، وفكرًا مختلفًا، وفرصة ليُقال بطريقة لم تُقل من قبل.

ولعل جمال هذه التجربة لا يقف عند حدود الكتابة؛ فكم من موقف نراه من زاوية واحدة، فنظن أننا أدركنا حقيقته، ثم تأتي كلمة أو تجربة أو رؤية مختلفة، فتتغير قراءتنا له. وكم من حكاية نسمعها من طرف واحد، فنصدر حكمنا، ولو أننا رأيناها بعين أخرى، لربما فهمنا منها ما غاب عنا.
ليس معنى ذلك أن كل المعاني صحيحة، أو أن الحقيقة تتبدل كلما اختلفت وجهات النظر، ولكننا قد نحتاج أحيانًا إلى التريث قبل أن نعتقد أننا رأينا الصورة كاملة.

وهنا أتذكر قول الله تعالى:
﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 36]

فكم من حكم نصدره قبل أن نحيط بمعناه، وكم من موقف نفهمه من زاوية واحدة، بينما قد تكشف لنا القراءة المتأنية جوانب لم نلتفت إليها من قبل. وليس المقصود أن كل تفسير نضعه صحيح، بل أن نتأنى، ونتثبت، وألا نجعل انطباعنا الأول معرفةً مكتملة، فنحن مسئولون عما نقول .

إن اختلاف الرؤى لا يمنح النصوص معاني جديدة فحسب، بل يكشف لنا أيضًا عن اختلاف ما نحمله نحن إلى النص؛ فكل كاتب يترك شيئًا من فكره في كلماته، وكل قارئ قد يلتقط منها ما لم يلتفت إليه غيره.

خرجت من ذلك اللقاء وأنا أنظر إلى الكتابة بصورة مختلفة؛ فربما لا تكون مهارة الكاتب في قدرته على صياغة الكلمات وحدها، بل في قدرته على اكتشاف ما يمكن أن تصبح عليه هذه الكلمات، وفي شجاعته على النظر إلى الفكرة من زاوية لم يألفها.

فالنص الذي نكتبه اليوم قد يكون، في نظر كاتب آخر، بداية لنص مختلف، وربما نعود نحن أنفسنا إليه يومًا، فنقرأه بعين جديدة، ونكتشف فيه ما لم نره من قبل.

لعلنا لا نحتاج دائمًا إلى كلمات جديدة لنصنع معنى جديدًا؛ أحيانًا نحتاج فقط إلى عين ترى، وفكر يتأمل، وقلم لا يخشى أن يعيد كتابة الحكاية.

كل الشكر والتقدير للدكتورة نسرين يماني، صاحبة هذا اللقاء الجميل، على ما قدمته لنا من تجربة ملهمة فتحت أمامنا آفاقًا جديدة للكتابة.

كما أتقدم بالشكر إلى «تذكرة كاتب» و “رف” على هذه المساحة التي تجمع محبي الكتابة، وتمنح أقلامهم فرصة للتعلم والتجربة والنمو.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى