الأضحية بين روح العبادة وضغوط المظاهر الاجتماعية

تكبير الخط ؟
في ظل تصاعد النزعة الاستهلاكية داخل المجتمعات الحديثة بات بعض الناس يلجؤون إلى الاستدانة من الشركات والمؤسسات التمويلية من أجل شراء” الأضحية” رغم ما يسببه ذلك من ضغوط نفسية واجتماعية وهو ما يعكس تحوّل بعض الشعائر من معانيها الروحية إلى مظاهر اجتماعية مرتبطة بالمقارنات والتفاخر
وفي هذا الحوار يتناول الدكتور علي عبد الراضي استشاري الصحة النفسية وخبير الابتكار الاجتماعي بالاتحاد الأوروبي الأبعاد النفسية والاجتماعية لذلك مقدمًا رؤى تدعو إلى استعادة المعنى الروحي الحقيقي للأضحية بعيدًا عن ثقافة التفاخر والاستهلاك
وفي مستهل حديثه أكد “عبد الراضي” أن العالم المعاصر بما يشهده من تحولات متسارعة وهيمنة للثقافة الاستهلاكية لم يترك السلوكيات الدينية بمنأى عن تأثيرات السوق بل أعاد تشكيلها بصورة جعلت بعض الشعائر تتحول من معانيها الروحية الأصيلة إلى أدوات لإنتاج المكانة الاجتماعية.
وأضاف أن مشهد الأضحية في عدد من المجتمعات العربية يعكس هذه المفارقة بوضوح حيث أصبحت لدى البعض وسيلة لإثبات المكانة الاجتماعية وإظهار الصورة المثالية أمام الآخرين”
وفي السياق ذاته أوضح “عبد الراضي” أن مفهوم “الحداثة السائلة” لدى عالم الاجتماع زيجمونت بومان يفسر هذا التحول فالإنسان المعاصر بحسب وصفه لم يعد يُعرّف بما يؤمن به أو بما يحمله من قيم بل بما يستهلكه ويعرضه أمام الآخرين لتصبح الأضحية عند البعض “رأس مال اجتماعي” يُستخدم لانتزاع الاعتراف الجمعي المؤقت فيما تتحول المظاهر وحجم الأضحية إلى رموز استهلاكية تُعرض عبر منصات التواصل الاجتماعي بهدف صناعة صورة اجتماعية مثالية
وعلى الصعيد النفسي أوضح “عبد الراضي” أن هذا السلوك يرتبط بما يُعرف بسيكولوجية الامتثال الاجتماعي مبينًا أن الفرد يعيش تحت ضغط متواصل لمجاراة معايير الجماعة خوفًا من الشعور بالدونية أو الإقصاء الاجتماعي مستشهدًا بمفهوم “مجتمع الإنجاز والإنهاك” للفيلسوف بيونغ تشول هان والذي يوضح كيف يمارس الإنسان على نفسه رقابة وضغطًا نفسيًا قاسيًا حتى يتوافق مع توقعات المجتمع”
كما لفت” إلى أن الخوف من نظرة الآخرين قد يدفع بعض الأفراد إلى التظاهر بما لا يعكس واقعهم الحقيقي وهو ما يؤدي إلى حالة من الاغتراب النفسي والتوتر حيث يفقد العيد معناه الروحي ويتحول إلى موسم للمقارنات الاجتماعية مؤكدًا أن هذا المشهد يعكس انتصار “الضمير الجمعي المشوه” على الوعي الديني الحقيقي”
ومن جانب آخر شدد “عبد الراضي” على أن المقصد الروحي للأضحية يتجاوز فكرة الذبح ذاتها موضحًا أن جوهر الشعيرة يتمثل في تزكية النفس وتطهيرها من الشح والتفاخر والانقياد الصادق لله تعالى مستدلًا بأن الله سبحانه غني عن اللحوم وإنما المقصود هو التقوى الكامنة في القلوب
وتابع “أن الأضحية الحقيقية هي التي تحرر الإنسان من عبودية المظاهر والبحث عن رضا الناس مؤكدًا أن من ينشغل بالإعجاب الاجتماعي والمظاهر الخارجية قد يحقق الشكل الظاهري للشعيرة لكنه يبتعد عن بعدها السلوكي والروحي لتتحول العبادة بذلك من وسيلة للسكينة والسلام الداخلي إلى مصدر للقلق والإنهاك النفسي”
وفي إطار الحلول دعا “عبد الراضي” إلى تبني إستراتيجية مجتمعية لإعادة بناء الوعي تبدأ بإصلاح الخطاب الإعلامي والتوعوي من خلال الابتعاد عن تكريس النماذج الاستهلاكية المرتبطة بالأعياد والعمل على ترسيخ ثقافة التيسير والتكافل بدلًا من ثقافة المظاهر”
كما أكد” أهمية تعزيز نماذج “الابتكار الاجتماعي” مثل صكوك الأضحية والمبادرات الجماعية المنظمة باعتبارها بدائل حضارية تحقق مقاصد التكافل وتعزز روح المشاركة بعيدًا عن الاستعراض الاجتماعي”
وفي السياق نفسه” شدد على ضرورة تدريب الأسر على المرونة النفسية وتعزيز مفهوم القيمة الذاتية لدى الأبناء بحيث ترتبط الأخلاق والإنسانية بالعطاء والسلوك لا بالمظاهر الاستهلاكية مؤكدًا أهمية ترسيخ شجاعة الاعتزاز بالواقع الحقيقي دون خجل أو شعور بالنقص”
واختتم “عبد الراضي” حديثه برسالة إنسانية إلى الأسر التي تعيش ضغوطًا نفسية بسبب المقارنات الاجتماعية مؤكدًا أن قيمة الإنسان لا تُقاس بالمظاهر أو الصورة التي يقدمها للآخرين وأن الدين جاء لترسيخ السكينة والطمأنينة والتراحم لا لإثقال النفوس بثقافة التفاخر مشيرًا إلى أن سلام الأسرة والسكينة الداخلية هي المعاني الحقيقية التي ينبغي أن يحملها العيد بعيدًا عن ضجيج المظاهر وزيف المقارنات الاجتماعية”




