الثقافية

الدكتورة عائشة الحكمي.. سيرةُ امرأةٍ كتبت حضورها بالحرف والمعرفة

درة _ أكابر الاحمدي :  

في مساءٍ أثقلته مشاعر الحزن والأسى، غيّب الموت الدكتورة عائشة الحكمي، أستاذة الأدب والنقد بجامعة تبوك، وسفيرة جمعية الأدب المهنية، وعضوة جمعية أدب الطفل بتبوك، لتطوي الساحة الثقافية والأدبية صفحةً من صفحاتها المضيئة، وترحل إحدى الشخصيات التي ارتبط اسمها بالعطاء المعرفي والحضور الثقافي المؤثر على امتداد سنوات طويلة.
رحلت الدكتورة عائشة الحكمي، لكن أثرها باقٍ في الذاكرة الثقافية، وفي نفوس طالباتها وزميلاتها وكل من عرفها عن قرب أو تابع مسيرتها التي امتزج فيها العلم بالأدب، والفكر بالمبادرة، والإبداع بالمسؤولية. فقد كانت تؤمن بأن الثقافة ليست نشاطاً عابراً، بل مشروع بناء مستمر للإنسان والمجتمع، ورسالة تتجاوز حدود القاعات الدراسية والمنابر الثقافية إلى فضاءات أرحب من التأثير والتغيير.
ومنذ بداياتها الأكاديمية، رسمت الراحلة لنفسها مساراً مميزاً في ميدان الأدب والنقد، حيث جمعت بين الرصانة العلمية والشغف المعرفي، فأسهمت في إعداد أجيال من الطالبات والباحثات، وغرست في نفوسهن قيمة الكلمة وأهمية القراءة والتفكير النقدي. وكانت ترى في التعليم رسالة سامية لا تقف عند حدود المقرر الدراسي، بل تمتد إلى صناعة الوعي وتشكيل الشخصية وتعزيز الثقة بالقدرات والإمكانات.
ولم يقتصر عطاؤها على الجانب الأكاديمي فحسب، بل تجاوز ذلك إلى حضور ثقافي لافت في مختلف الفعاليات والمناسبات الأدبية التي شهدتها منطقة تبوك. فقد كانت من الأسماء التي ارتبطت بالحراك الثقافي المحلي، وساهمت بجهودها وأفكارها في إثراء المشهد الأدبي، ودعم المبادرات التي تستهدف تنمية الإبداع وتعزيز مكانة الثقافة في المجتمع.
كما عُرفت الراحلة باهتمامها الكبير بالمواهب الشابة، وإيمانها العميق بأهمية تمكين المرأة ثقافياً وأدبياً. فكانت حريصة على احتضان التجارب الناشئة، وتشجيع الأصوات الجديدة، وفتح الأبواب أمام الكاتبات الشابات للمشاركة والحضور وإثبات الذات. وبفضل هذا النهج الإنساني والثقافي، أسهمت في تشكيل جيل نسائي أدبي استطاع أن يجد موطئ قدم في الساحة الثقافية، مستنداً إلى ما تلقاه من دعم وتوجيه وتحفيز.
وفي مجال أدب الطفل، أدركت الدكتورة عائشة الحكمي مبكراً أن بناء الأجيال يبدأ من الكلمة الأولى التي يقرؤها الطفل، ومن القصة التي تزرع في وجدانه القيم والمعرفة والخيال. لذلك كان اهتمامها بهذا المجال امتداداً لرؤيتها الثقافية الشاملة التي تضع الإنسان في قلب المشروع الثقافي، وتؤمن بأن الاستثمار الحقيقي يبدأ من بناء العقل والوجدان.
لقد كانت الراحلة مثالاً للمثقف الذي يحمل همّ المعرفة ومسؤولية التأثير، فلم تكن تبحث عن الأضواء بقدر ما كانت تسعى إلى صناعة الأثر. ولهذا ارتبط اسمها لدى كثيرين بالعطاء الهادئ والعمل الدؤوب والحضور النوعي الذي يترك بصمته أينما حلّ. وكانت تمتلك قدرة خاصة على الجمع بين الجدية العلمية والروح الإنسانية، الأمر الذي أكسبها محبة واحترام زميلاتها وطالباتها وكل من تعامل معها.

واليوم، بينما تودع تبوك إحدى بناتها المخلصات، فإنها لا تودع شخصية أكاديمية وثقافية فحسب، بل تودع تجربة إنسانية ثرية تركت آثارها في المؤسسات الثقافية، وفي القاعات الجامعية، وفي المنصات الأدبية، وفي ذاكرة كل من التقوا بها واستفادوا من علمها وخبرتها.

إن رحيل الدكتورة عائشة الحكمي يمثل خسارة للمشهد الثقافي والأدبي، غير أن عزاء محبيها يكمن في ذلك الإرث المعرفي والإنساني الذي خلفته، وفي الأجيال التي ساهمت في تعليمها وتوجيهها، وفي المبادرات والفعاليات التي كانت جزءاً من نجاحها واستمرارها. فالأشخاص يرحلون، لكن ما يزرعونه من علم وفكر وقيم يبقى شاهداً على حضورهم، ممتداً عبر الزمن في حياة الآخرين.

رحم الله الدكتورة عائشة الحكمي رحمة واسعة، وأسكنها فسيح جناته، وجزىها خير الجزاء على ما قدمته من علم وعطاء وخدمة للأدب والثقافة. وستظل سيرتها حاضرة في الوجدان الثقافي، بوصفها واحدة من الشخصيات التي آمنت بقوة الكلمة، وعاشت من أجل المعرفة، وتركت وراءها أثراً لا يزول برحيل الجسد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى