أخبار الشرقية

13 فيلماً و3 ندوات ولقاءات خبراء تشعل عروض اليوم الثاني من مهرجان أفلام السعودية

الظهران - سلطان الدوسري :  

شهد مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي (إثراء) -مبادرة أرامكو السعودية-، أمس الأحد، تواصل فعاليات الدورة الثانية عشرة من مهرجان أفلام السعودية، الذي تنظمه جمعية السينما بالشراكة مع مركز إثراء، وبدعم من هيئة الأفلام، من خلال برنامج سينمائي ومهني متنوع ضم 13 فيلمًا، إلى جانب جلسات سوق الإنتاج، وبرنامج «لقاء الخبراء»، وثلاث ندوات متخصصة تناولت الاستثمار والتمويل في قطاع الأفلام، ومساحات الدعم، وعلاقة السينما الكورية بالجمهور السعودي.
وتوزعت العروض بين المسرح وصالة السينما، لتفتح مسابقة الأفلام الروائية الطويلة ملفاتها عبر شريطين يمثلان مدرستين سرديتين مغايرتين؛ إذ يعود المخرج العراقي محمد الدراجي في فيلمه «إركالا حلم كلكامش» إلى الميثولوجيا الرافدينية مسقطاً إياها على الواقع البغدادي المعاصر، في حين يغوص المخرج السعودي محمد مكي في فيلمه «ربشة» داخل دراما نفسية مكثفة ومشحونة تدور أحداثها كاملة تحت جنح ليلة واحدة.
ويتتبع الدراجي في فيلمه خطى طفل شوارع مصاب بالسكري، يلوذ بالأسطورة هرباً من واقعه وبحثاً عن إحياء والديه، ليمزج الفيلم واحدة من الملاحم الأدبية العريقة في التاريخ الإنساني بتوترات مدينة تعيش قلقها اليومي، مانحاً الحكاية بُعداً رمزياً عبر حضور الثور المجنح، ومقدماً منظوراً نادراً بربط العنف المعاصر بذاكرة حضارية عميقة من خلال عيون بطل هامشي.
وفي المقابل، يبني محمد مكي توتر فيلمه المستقل «ربشة» من لحظة وصول ضيف غير متوقع إلى منزل ينطوي على سر غامض، معتمداً على بنية درامية كلاسيكية تتكشف فيها أقنعة الشخصيات تحت ضغط المكان المغلق، ليمثل الفيلم امتداداً لبصمة مكي في المشهد الدرامي السعودي بعد تجربته في سلسلة “تكي”.
وفي فضاء مسابقة الأفلام القصيرة، التقت أربعة عروض قاربت الكوميديا الاجتماعية والأسئلة المفاهيمية؛ ففي عرضه المحلي الأول، يكسر فيلم «ارتزاز» لسارة بالغنيم التوقع التقليدي للمآتم، محولاً أجواء العزاء وبكائياته إلى مساحة من الكوميديا السوداء التي تعري الضغوط الاجتماعية والأحكام الجاهزة الموجهة للمرأة المطلقة. ويعقبه العرض الأول في الشرق الأوسط لفيلم «صرخة نملة» للُجين سلام، حاملاً تساؤلاً فلسفياً حول مفهوم الحرية بوصفها قدرة على الانسجام مع فوضى الحياة لا مجرد مسافة جغرافية، بينما يطرق الفيلم البحريني «بذرة» للمخرج سلمان يوسف في عرضه العالمي الأول موضوعاً عائلياً حساساً يتعلق بالعقم، ليتكامل المربع بفيلم «يوم العزاء الأول» لنواف الحوشان، الذي يتخذ من رحيل الابن بوابة لمواجهة عائلية مؤجلة تعيد الأب المنفصل إلى دفء عائلته.
ولم تغب العروض الموازية عن الصالة لتقدم ثلاثة أعمال سعودية تتحرك خارج إطار المسابقة الرسمية، مستهلة بالفيلم الروائي «إسك» لخالد نادرشاه في عرضه الأول بالشرق الأوسط، والذي يأتي كإضافة لنوعية الخيال العلمي عبر اتخاذ الواقع الافتراضي مهرباً من رتابة الحياة اليومية. ويجاوره فيلم «الهندول» لممدوح سالم متتبعاً طفلاً يفتش عن المستحيل في المقابر برفقة نجار حكيم، ليتحول المهد في رمزية بصرية مدهشة إلى صورة تجمع بدايات الإنسان ونهاياته، في حين توظف المخرجة روان الصعيري في فيلمها «نِفسها بس نَفسها» آلية الحلقة الزمنية لاستكشاف مراحل الحزن الخمس بأسلوب غير مألوف في سينما التشويق.
أما محور «سينما الرحلة» فاستضاف الشريط الإسباني «صراط» لأوليفر لاكس، طارحاً رحلة أب وابنه يبحثان عن ابنة مفقودة في شمال أفريقيا؛ وهي تيمة تكتسب بدلالتها العربية بعداً يتجاوز الجغرافيا نحو العبور الروحي والاختبار الأخلاقي، جاعلة من الفضاء العربي مسرحاً إنسانياً واسعاً للفقد والبحث.
وفي نافذة «أضواء على السينما الكورية»، تلاحقت ثلاثة عروض قصيرة تظهر للمرة الأولى عربياً، بدأت بفيلم «تعزية الريح» لبارك جييون مقرباً المسافة بين التسجيلي والفني عبر حكاية كاتبة وغرفة للإيجار باقتصاد سردي مكثف، وتلاه فيلم «قطع الحبل» لكيملي فاتاي مغزولاً بين التجربة الفردية والذاكرة الجمعية لحي قديم في إنشيون تتسرب منه حكايات الأجداد، ثم فيلم «القبر العائلي» لهان هيهيون متناولاً معضلة الجسد والواجب الاجتماعي عبر امرأة تعجز عن الانحناء في مأتم شقيقتها بفعل ألم مزمن، واضعاً طقوس المجتمع الصارمة في مواجهة مباشرة مع الحزن الدفين.
هذا الحضور الكثيف لثيمات الموت والتشييع في أفلام مثل «يوم العزاء الأول» و«الهندول» و«القبر العائلي» و«تعزية الريح»، شكّل تقاطعاً موضوعياً لافتاً في عروض اليوم؛ إذ لم يعد الموت مجرد نهاية، بل تحول إلى أداة درامية تكشف المسكوت عنه في العلاقات الإنسانية والذاكرة الفردية.
وعلى الصعيد المهني، شهدت بلازا مركز إثراء استمرار جلسات عرض مشاريع سوق الإنتاج لمساعدة الصناع على دفع أفكارهم نحو الشاشة، مدعومة ببرنامج «لقاء الخبراء» الذي قدم استشارات فردية وعملية في الإخراج والنقد والإنتاج مع نخبة من الأسماء المحلية والدولية.
واستضاف برج إثراء عدد من الحوارات الفكرية، متمثلة في ندوة «مستقبل الاستثمار والتمويل في قطاع الأفلام» بمشاركة باسل العلولا، الرئيس التنفيذي لقطاع الأعمال في الصندوق الثقافي، وإدارة مقداد بوحليقة، حيث جرى استعراض تحول الحراك السينمائي بالمملكة إلى صناعة اقتصادية مستدامة. وتلتها الجلسة النقاشية مع صندوق إثراء لدعم الأفلام برئاسة فراس المشرع وإدارة بكر الدحيم لتوضيح لوائح الصناديق التمويلية، قبل أن تختتم الفعاليات المعرفية بندوة «السينما الكورية والجمهور السعودي» التي أدارتها هيوجونغ جونغ وتحدث فيها المخرج رو يونغ-وان وسانغهون لي والناقد سلمان الأحمدي، واضعين الأصبع على سر الجاذبية والتقارب الثقافي الرقمي الذي شيد جسوراً عابرة للغات والحدود بين البلدين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى