ورقة خاصة

هذه الورقة ليست عني ولا عنك…
بل عن امرأةٍ أنجبتني ثم أنجبت داخلي الإنسان الذي أنا عليه اليوم.
امرأةٌ استطاعت رغم قسوة الحياة وتقلباتها أن تغرس في روحي الإيمان بأن لكل عثرةٍ حكمة ولكل وجعٍ نهاية وأن الصبر ليس ضعفًا بل أعظم وجوه القوة.
علّمتني أن أحوّل الانكسارات إلى بدايات وأن أستبدل الخذلان بالشكر واليأس بالأمل وأن أمضي في الحياة ثابتًا مهما اشتدت الرياح.
اسمها نورة… وكانت نورًا حقيقيًا ملأ قلبي وحياتي. وصدق من قال: لكل امرئٍ من اسمه نصيب. أما أنا فقد كان نصيبي من اسمها حياةً كاملة بعد فضل الله.
لم تحمل شهادةً أكاديمية كما حملتها أنا لكنها كانت مدرسةً لا تُضاهيها مدرسة وجامعةً لا تمنحها الشهادات بل تمنحها التجارب والحكمة والصبر والرحمة.
كانت قلبًا يتسع للجميع وصدرًا يحتضن الألم بصمت وعينين تخفيان الدموع حتى لا نراها ويدين تمسحان تعب الأيام عن أرواحنا قبل وجوهنا.
احتوتني أنا وإخوتي بكل ما فيها من صبرٍ وعطاء وكانت إذا انكسرت مجاديفنا صنعت لنا من دعائها أشرعةً جديدة تدفعنا نحو الأمل من جديد.
ومنها تعلمت أن الكرامة لا تُشترى وأن الطموح لا يموت وأن السماحة رفعة وأن الإنسان مهما أثقلته الحياة يبقى قادرًا على النهوض إذا كان قلبه عامرًا بالإيمان.
كانت نعم الأم…
ونِعْم القدوة…
ونِعْم السند.
ثم…
رحلت.
ومنذ رحيلها أدركت أن الفقد ليس كلمةً تُقال بل حياةٌ كاملة تُنتزع من القلب. أدركت أن الإنسان قد يبتسم ويضحك ويواصل السير بينما يحمل في داخله حزنًا لا يراه أحد.
رحلت أمي… فأصبح في قلبي فراغٌ لا يملؤه أحد ووجعٌ لا يبرؤه الزمن.
ثم تذكرت أن أبي قد سبقها إلى الرحيل…
فاجتمع في صدري يتمٌ لا يُرى وحزنٌ لا يُحكى وحنينٌ لا تنطفئ ناره.
ورحيلهما لم يكن غياب أشخاصٍ فحسب بل غياب وطن وأمان وطمأنينة ودعوةٍ صادقة كانت تسبقني إلى السماء.
ومن بعدهما جاءتني الحياة برسالةٍ قاسية: لم يعد هناك متسعٌ للضعف… فقد رحل أكثر الناس حبًا وأصدقهم خوفًا عليك وأعمقهم حرصًا وأطهرهم دعاءً لك.
وما زلتُ كلما تعبتُ بحثتُ عن حضنٍ يشبه حضن أمي فلا أجد إلا الذكريات.
وكلما حققتُ إنجازًا التفتُّ بعفويةٍ لأخبرها ثم أتذكر أنها في مكانٍ لا تصله أصواتنا وإنما تصله دعواتنا.
أشتاق إلى تفاصيلٍ كانت تبدو عادية فإذا بها اليوم أعظم النعم إلى صوتها وهي تناديني إلى ابتسامتها حين تراني إلى دعائها الذي كان يسبقني في كل طريق وإلى وجودها الذي كان يجعل الدنيا مهما ضاقت أوسع من قلبي.
وأشتاق إلى أبي… إلى هيبته التي كانت تمنحني الأمان وإلى كلماته التي كانت تختصر الطريق وإلى شعوري بأن خلف ظهري رجلًا لو مالت الدنيا بي لأسندني.
أحيانًا لا أبكي لأن الدموع انتهت بل لأن الوجع أصبح أكبر من أن تترجمه العين. وأحيانًا أبتسم أمام الناس بينما في داخلي طفلٌ ما زال ينتظر أن يعود أبواه من سفرٍ طويل رغم أنه يعلم أنهما لن يعودا إلا في لقاءٍ وعد الله به الصابرين.
سيبقى مكانكما في القلب لا يملؤه أحد وسيبقى الحنين إليكما رفيق أيامي يكبر كلما تقدمت بي السنين. ولعل أكثر ما يؤلمني أن العمر يمضي وأنا أعيش أعوامًا كثيرة من دونكما بينما أمنيةٌ واحدة تسكن قلبي منذ رحيلكما… أن يجمعني الله بكما في دارٍ لا موت فيها ولا فراق ولا دمعة وداع.
رحمكِ الله يا أمي… ورحم الله أبي… رحمةً واسعةً تفيض على قبريكما نورًا وسكينة وتجعلهما روضةً من رياض الجنة وتجمعني بكما في جنات النعيم حيث لا فراق بعد اليوم ولا وجع ولا دموع بل لقاءٌ أبدي تحت رحمة الرحمن.
وأخيرًا…
إن كنت تقرأ كلماتي ووالداك ما زالا على قيد الحياة فلا تؤجل برّهما إلى الغد. لا تؤجل المكالمة ولا القبلة على الرأس ولا كلمة: “أحبكما ولا جلسةً قصيرة معهما ولا سؤالًا صادقًا عن حالهما.
صدقني… سيأتي يومٌ تتمنى فيه دقيقةً واحدة معهما ولن يشتريها مال الدنيا كله. ستمر بجانب صورهما وتحدّثها بصمت وستتمنى أن تسمع عتابًا منهما بدل هذا الصمت الثقيل الذي لا يجيب.
لا ترفع صوتك عليهما ولا تجعل انشغالك عذرًا لتقصيرك. فالدنيا مهما منحتك من الناس لن تمنحك قلبين يخافان عليك كما يخاف قلبا والديك. ومهما أحبك الناس فلن يحبك أحد كما أحباك.
أما أنا…
فلم يعد بوسعي إلا الدعاء.
أزور الذكريات أكثر مما أزور الأماكن وأشتاق لأصواتٍ لن تعود وأحاديثٍ انتهت قبل أن أشبع منها.
وأدعو الله في كل حين أن يرحمهما وأن يجعل كل ما قدّماه لنا نورًا يسبق خطاهما إلى الجنة.
فاحفظوا آباءكم وأمهاتكم ما داموا بينكم.
احتضنوهم كثيرًا وأطيلوا الجلوس معهم واصبروا على كبرهم كما صبروا على صغركم.
فالفقد لا يعلّمنا قيمة الوالدين…
بل يكشف لنا أن بعض النعم لا تُعرف حقيقتها إلا بعد أن تصبح ذكرى.
اللهم إن كانت أمي وأبي عندك فأكرم نزلهما وأنر قبريهما واجمعني بهما في جنات النعيم. وإن كان والدَا من يقرأ هذه الكلمات على قيد الحياة فأطل في أعمارهما على طاعتك وأعن أبناءهما على برّهما قبل أن يأتي يومٌ لا ينفع فيه الندم.
الكاتبه / عبير بنت صالح الصقعبي