بين عروض المسابقات وأروقة المعرفة.. تفاصيل الحصاد السينمائي والمهني لرابع أيام مهرجان أفلام السعودية

تكبير الخط ؟
شهد مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي (إثراء) -مبادرة أرامكو السعودية-، أمس الاثنين، تواصل فعاليات الدورة الثانية عشرة من مهرجان أفلام السعودية، الذي تنظمه جمعية السينما بالشراكة مع مركز إثراء، وبدعم من هيئة الأفلام، من خلال برنامج سينمائي ومهني ومعرفي متنوع ضم 18 فيلمًا، إلى جانب جلسات توقيع لإصدارات الموسوعة السعودية للسينما، وبرنامج «لقاء الخبراء»، وثلاث ندوات متخصصة تناولت صناديق الدعم، وشباك التذاكر، وخدمات الصندوق الثقافي.
وتوزعت عروض اليوم بين مسرح إثراء وصالة السينما، حيث شهدت مسابقة الأفلام الروائية الطويلة عرض فيلم «مسألة حياة أو موت» للمخرج السعودي أنس باطهف، في تجربة تجمع بين الرومانسية والكوميديا والفانتازيا، متتبعاً حكاية «حياة» المؤمنة بالخرافات وتظن أن لعنة متوارثة ستنهي حياتها في عيد ميلادها الثلاثين، و«يوسف» جرّاح القلب الانطوائي الذي لا ينتظم نبضه إلا وهو يمسك بالمشرط، قبل أن تجمعهما خطة جنونية لمحاولة خداع الموت في رحلة تمتزج فيها الفوضى بقصة حب تتسابق مع الزمن.
وفي مسابقة الأفلام القصيرة، التقت مجموعة من الأفلام السعودية والخليجية التي قاربت الكوميديا الاجتماعية والأسئلة المفاهيمية؛ ففي عرضه العالمي الأول، يطرح فيلم «مرزوق» لحسين آل محفوظ قراءة اجتماعية للتغيير والتهميش من خلال حمار يمثل عصب الحياة اليومية لعائلة تواجه تهديداً مصيرياً مع دخول السيارة. ويعقبه العرض العالمي الأول لفيلم «الستر» لرولان حسن وسارة مصري، متناولاً قصة شابة مريضة تواجه صدمة ماضيها داخل جنازة عائلية لتقف أمام قرار حاسم بين كسر الصمت أو استمرار المعاناة المتوارثة.
وفي سياق القضايا النادرة، يضع فيلم «مجهول» لإبراهيم الغامدي كفاح شاب عديم الجنسية في الطائف لسداد ديون والده الراحل تحت مجهر السينما، حاملاً هماً إنسانياً يجعل من الدفن حقاً معلقاً. ومن الكويت، يطل فيلم «سام» لعبدالعزيز البلام في عرضه الأول بالمملكة متتبعاً روتين موظف في شركة نقل الموتى يتحول مع مشهد الرحيل إلى اعتياد مهني ثقيل وسط انهيار يلف العالم خلال كسوف، بينما يذهب فيلم «الرجل الذي تعثر بكلماته» لمبارك بن زوبع نحو كاتب شهير يعزل نفسه لمحاولة تجاوز حبسة الكتابة ليواجه عائقاً أعمق من مجرد فراغ الصفحة.
وتكاملت عروض المسابقة بفيلم «برجر محلي» لفيصل الزهراني، الذي يتخذ من مدينة الخبر مسرحاً لحكاية «عواطف» التي تفتح مطعماً هرباً من صدمة طفولتها قبل أن يهدد وصول موظف جديد بكشف سر قاتم خلف المطبخ، بالتوازي مع فيلم الخيال العلمي «زائف» لإسماعيل البخاري في عرضه العالمي الأول مستكشفاً هوس امرأة تلجأ لكبسولات غامضة تستحضر مشاعر حقيقية لكسر عزلتها. ويجمع فيلم «حبل سري» للمخرج الإماراتي أحمد حسن أحمد بين الولادة والموت في صباح واحد عبر رجل يركض بين نداءات الحياة وأبواب مغلقة تقوده إلى عتبة فاصلة، لتختتم العروض بفيلم «حفل افتتاح» لحسين المطلق مبرزاً صراع طفل اختير لحمل مقص افتتاح مركز ثقافي بينما تسلمه والدته ورقة سرية يخفيها عن معلمه.
أما العروض الموازية، فاستضافت ثلاثة أعمال سعودية تفتح مسارات مختلفة للذاكرة والعزلة؛ حيث يوثق الفيلم التسجيلي «خطى الذاكرة بين بلاد الفل والريحان» لأريج الغامدي في عرضه العالمي الأول رقصات النساء في الباحة وجازان كأداة لحفظ التراث من التلاشي، في حين يتناول فيلم «النسخة ٢٤» لعبدالله جلال في عرضه العالمي الأول أيضاً مبرمجاً وحيداً يتشبث بصوت والدته الراحلة ملاذاً أخيراً من عزلته، بينما يضع فيلم «المشهد» للنا قمصاني عائلة تحت أنقاض منزلها السابق محاصرة في انتظار إنقاذ يختبر الأمل والهشاشة الإنسانية.
وفي نافذة «أضواء على السينما الكورية»، تلاحقت أربعة عروض قصيرة تظهر للمرة الأولى عربياً، بدأت بفيلم «مواجهة للأمام» لليم غاون مقدماً الكاميرا كرمز للذاكرة والتخلي من خلال أرملة تبيع كاميرا زوجها الراحل، وتلاه فيلم «بيبي!» للي يي أون باقتصاد سردي مكثف عبر مكالمة هاتفية تكسر عزلة شابة، ثم فيلم «رقصة تتحدث» لكيم تايانغ الذي يوظف لغة الجسد للتعبير عن دوافع الشخصيات، وصولاً إلى فيلم التحريك «ذكريات الغيمة السوداء» لجونغ سونغهي مقدماً رؤية مستقبلية عن عالم تُخزن فيه الهوية على السحابة وتصبح قابلة للمحو والاسترجاع.
وضمن محور «سينما الرحلة»، عُرض الفيلم العراقي «مملكة القصب» للمخرج حسن هادي في عرضه الأول بالمملكة، مستعيداً عراق التسعينيات في زمن الحرب ونقص الغذاء من خلال الطفلة «لمياء» التي تُختار لإعداد كعكة عيد ميلاد صدام حسين المفروضة على المدارس، واضعاً الطفلة في مواجهة قرار سياسي أكبر من عمرها لتبدو رحلتها بحثاً عن النجاة من عواقب عالم صنعه الكبار ويدفع الأطفال ثمنه.
وعلى مستوى البرنامج المعرفي، احتضنت مكتبة إثراء جلسة توقيع لإصدارين جديدين من إصدارات الموسوعة السعودية للسينما، حيث وقّع غسان الخنيزي ترجمة كتاب «الحكاية والسرد.. تحليل الحكي القصصي في السينما» لوارن بكلاند، الذي يقدم مدخلاً تحليلياً لبنية السرد السينمائي، كما وقّع كميل الحرز ترجمة كتاب «جان لوك غودار» الذي يضم سلسلة من الحوارات المرتبة زمنياً مع المخرج الفرنسي الراحل كاشفاً عن مسيرته وحواره الثقافي المؤثر في السينما الحديثة.
واستضاف برج إثراء الحوارات المهنية وسلسلة «مساحات الدعم والتمويل»، متمثلة في جلسة نقاشية مع صندوق البحر الأحمر بمشاركة منذر الطويرب وإدارة المنتج بكر الدحيم، لتسليط الضوء على آليات الدعم وآخر تحديثات اللوائح التمويلية. وتلتها ندوة «كيف تربح الأفلام السعودية؟» بمشاركة فؤاد الخطيب وإدارة د. محمد البشير، متناولة واقع شباك التذاكر المحلي والعوامل المؤثرة في نجاح الفيلم تجارياً واستراتيجيات التسويق الجاذبة للجمهور، قبل أن تختتم الجلسات بندوة «كيف يستفيد مشروعك السينمائي من خدمات الصندوق الثقافي؟» حيث استعرضت دعاء الحواج بإدارة بكر الدحيم الممكنات والخدمات المالية المتاحة لصناع الأفلام ورواد الأعمال في القطاع السينمائي ومتطلبات التقديم عليها.
وتكامل هذا الزخم المهني باستمرار برنامج «لقاء الخبراء» الذي أتاح جلسات فردية مباشرة لصناع الأفلام مع مختصين في مجالات الإنتاج والإخراج وتطوير المشاريع، بالتوازي مع جلسات نقاشية حوارية جمعت المخرجين بالجمهور عقب العروض لفتح نوافذ للتفاعل حول سياقات أعمالهم الإبداعية والإنتاجية.




