“العقد ليس قرآناً منزلاً”

من أبرز القواعد التي تنظم العقود قاعدة «العقد شريعة المتعاقدين»، وذلك لما لهذه القاعدة من أثرٍ يسمو بمكانة العقد، حتى يغدو الشريعة التي تحكم العلاقة بين المتعاقدين.
إلّا أنني وجدت الكثير ممن يبالغ في تأويل هذه القاعدة، إلى درجةٍ يظن فيها أن إلزامية العقد تسمو على نصوص النظام وأحكام الشريعة الإسلامية، وهذا أمرٌ خاطئ.
ذلك أن جميع القواعد والأحكام في مختلف المجالات تكون مقيّدة بقيود تحكم صحة تطبيقها، وليست مطلقة تماماً، ومما يُقيّد بهذه القيود قاعدتنا المذكورة، وقيدها ألّا تكون أحكام العقد مخالفة للقواعد الآمرة أو النظام العام.
وعلى سبيل المثال، وضع المنظّم في نظام المعاملات المدنية نصاً يمنح القاضي سلطةً في تعديل مبلغ التعويض الاتفاقي المحدد في العقد بما يتناسب مع الضرر الفعلي، لا بمجرد ما اتفق عليه الطرفان، وأضاف المنظّم في نهاية المادة نصاً صريحاً يقضي ببطلان كل اتفاق يخالف أحكامها.
وهنا تظهر حقيقة قد تغيب عن البعض: العقد ليس قرآناً منزلاً، ولا نصاً تحرم مراجعته أو يمتنع إبطاله وإنما هو اتفاقٌ يستمد قوّته وإلزاميته من النظام، ويظل خاضعاً للحدود التي رسمها الشرع والمنظّم.
فالعقد شريعة المتعاقدين، ما دام في الحدود التي أباحها الشرع والمنظّم، وما جاوز تلك الحدود فلا تحميه إرادة المتعاقدين ولا اتفاقهما.