حمود الصهيبي بكتب لـ “درة”| عبثية القصيبي الأخيرة

بقلم / حمود الصهيبي  

ثمة لحظة فارقة في تاريخ الأدب العربي الحديث، حدثت حين وضع غازي القصيبي، على غلاف كتابه الأخير الذي صدر بعد وفاته، كلمة “أقصوصة”. لم تكن تلك الكلمة مجرد توصيف شكلاني، بل كانت بمكانة قنبلة موقوتة ألقيت في بركة النقد الأدبي الراكدة، أو لنقل بدقة أكثر، كانت رسالة وداع أدبية مشفرة من كاتب أحب أن يخرج من بوابة الحياة، وهو يمارس حريته المطلقة في تمرده على كل ما هو سائد. ذلك أن “الزهايمر”، في جوهره، ليس أقصوصة بالمعنى التقليدي الذي يحيل إلى قصة قصيرة ذات حبكة، وحدث، وشخصيات. إنه، في الحقيقة، بناء سردي هجين، مملكة من التجاوزات الأجناسية، حيث تتداخل الرسائل الخاصة مع المذكرات الحميمية، وتختلط السيرة الذاتية باليوميات المرضية، لتخرج إلينا في قالب لا يشبه إلا نفسه، مما يجعلنا نقف أمام سؤال جوهري: لماذا أصر القصيبي، ذلك الرجل الأديب والمثقف الواعي، على هذا التصنيف الذي يبدو “مضللا” للوهلة الأولى؟ الجواب، بكل تأكيد، يكمن في وعي القصيبي العميق بفعل “التأطير” في الأدب. فبوضعه لكلمة “أقصوصة” على الغلاف، لم يكن القصيبي يخطئ في توصيف عمله، بل كان يتعمد خلق فجوة بين تسمية النص ومحتواه، ليدفع القارئ والناقد -على حد سواء- إلى منطقة إشكالية تستدعي السؤال والتأمل. إنها دعوة مفتوحة للخروج من دائرة التصنيفات الجاهزة، وإعادة النظر في ماهية الأجناس الأدبية ذاتها. ففي الوقت الذي يتكون فيه الكتاب من اثنتي عشرة رسالة يكتبها البطل “يعقوب العريان” إلى زوجته “نرمين” من مشفى في أمريكا، محاولا تلخيص يومياته مع مرض الزهايمر, نجد أن القصيبي يتعمد تسميته بأقصوصة؛ ليدفعنا للتساؤل حول الحدود المتاهة بين الواقع والخيال، بين ما هو ذاتي بحت وما هو من نسج المخيلة. ورجل بحجم القصيبي، يعي فعلا ما يقول، ولا يمكن أن نستبعد أنه كتب هذا النص كنوع من المذكرات التي يقول فيها ما لا يمكن أن يقال بشكل مباشر، خاصة وأنه اعترف في مناسبات عدة بأنه يكتب صورا من حياته -في كثير من الأحيان-.وهذا التداخل المتعمد بين الأجناس، وهذا المزج بين السيرة الخاصة والتخييل، يضعنا مباشرة أمام ظاهرة أدبية حداثية عرفت في النقد الغربي باسم “التخييل الذاتي”، وهو المصطلح الذي صاغه الكاتب الفرنسي سيرج دوبوفسكي عام 1977. فالتخييل الذاتي يقوم على فكرة أن يكتب المؤلف عن سيرته الذاتية، لكنه يمنح بطله اسما مختلفا، ويدمج أحداثا متخيلة أو معاديا تشكيلها، بحيث يصبح من المستحيل الفصل بين الذاكرة الحقيقية والبناء الروائي. وهذا ما فعله القصيبي تماما. فهو يستعير قناع “يعقوب العريان” ليحكي تجربته مع المرض، ويجعل من هذه الشخصية نافذة يطل منها على عالمه الداخلي، وعلى مراجعاته الوجودية الأخيرة. لم يكن القصيبي بحاجة إلى أن يكتب سيرة ذاتية تقليدية تحمل اسمه، فهو، من خلال هذه العبثية الأدبية، استطاع أن يبوح بأسراره، وأن يقدم وصيته الفكرية، وأن يسخر من النسيان، ومن الموت، من خلف قناع شخصية روائية تمنحه حرية القول بلا حدود. إن “الزهايمر” بهذا المعنى، ليس مجرد عمل أدبي عن المرض، بل هو رحلة في فضاء السرد المضاد للتصنيف. إنه أدب الاعتلال، أو ما يمكن تسميته ب “سيرة المرض”، حيث تصبح التفاصيل السريرية واليومية للمرض منصة للتأمل الفلسفي العميق. إنه، في آن واحد، نعي للذاكرة ورثاء للزمن الضائع، وصورة مأساوية وساخرة لانحدار الإنسان نحو العدم. القصيبي، من خلال اختياره لهذا الجنس الأدبي الهجين، لم يكن يريد فقط أن يربك القارئ، بل كان يريد أن يمنح نفسه، وهو في الهزيع الأخير من حياته، حرية التعبير التي تليق بكاتب يدرك أن كلماته هذه هي كلماته الأخيرة. لقد أراد أن يكتب نصا لا يشبه أي نص كتبه من قبل، نصا يكون أقرب إلى “وصية” أدبية تعكس خلاصة ما انتهى إليه، بديلا عن أن يكون مقيدا بقوالب السيرة الذاتية أو الرواية التقليدية.
فالكتاب، بتلك الرسائل الاثنتي عشرة، يمثل احتفاء بالأدب بوصفه فضاء للتمرد، ليس فقط على المرض والنسيان، بل أيضا على كل الحدود التي تفرضها الأجناس الأدبية. إنه يتحدى النقاد الذين سيبحثون عنه في خانة “الرواية” أو “القصة القصيرة”، ليجدوه يقف في منطقة لا تنتمي لأي منها، بل تنتمي إلى عالم القصيبي الخاص، عالم الرجل الذي عاش دبلوماسيا وأديبا، وعاشقا للكلمة، ومتمردا على كل أشكال الجمود. هو، في المحصلة، نجح في جعل تصنيفه “أقصوصة” ليس بوابة لفهم النص، بل لغز من شأنه أن يبقي النص مفتوحا على كل التأويلات، تماما كما تظل ذاكرة مريض الزهايمر مفتوحة على بقايا صور متكسرة من الماضي لا تجتمع على نظام واحد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى