كرة القدم بين المتعة والعلم

بقلم / نبيل فهد المعجل  

في عصر العولمة والإنترنت، تداخلت كلُّ جوانب الحياة؛ من الموسيقى والأفلام والسياسات وصولاً إلى الأنظمة، ولم تسلم منها العادات والتقاليد ولا حتى اللغات. ومع ذلك، كانت كرة القدم سبّاقة إلى عولمة نفسها قبل عقد ونيِّف، وتحديدًا في ثمانينيات القرن الماضي، وهي محور حديثنا هنا.

من لم يشاهد كرة القدم في السبعينيات وحتى منتصف الثمانينيات فقد فاته شيءٌ عظيم، ليس بالضرورة لأنها كانت الأفضل، بل لأنها تميزت بتنوعٍ أكبر في أساليب اللعب والابتكارات الفردية التي تلاشت كما تلاشى غيرها، بفعل تسارع وتيرة الحياة وتغير أذواق الأجيال المتعاقبة.

حتى منتصف الثمانينيات، كانت هناك أساليب كروية فريدة وعريقة، يطلقُ عليها البعض “مدارس”، كالأسلوب اللاتيني بقيادة البرازيل والأرجنتين، والأسلوب الأوروبي الذي تزعمته تاريخيًا ألمانيا وإيطاليا وإنجلترا، وانضمت إليهم هولندا في منتصف السبعينيات. وتجد في ختام هذه الحكاية نبذة عن كل أسلوب بمساعدة “ويكيبيديا”.

كيف تلاشت هذه الأساليب لتنصهر في أسلوبٍ واحدٍ يكاد يكون فريدًا؟

بعد فوز إيطاليا بكأس العالم 1982، عكف المدربون في أوروبا على دراسة هذا المنتخب الذي تأهل بشق الأنفس إلى الدور الثاني بعد ثلاثة تعادلات، ثم مضى ليحرز اللقب بانتصارات متتالية على الأرجنتين والبرازيل، ثم بولندا في نصف النهائي، وصولاً إلى فوزه الساحق على ألمانيا الغربية بثلاثة أهداف في المباراة النهائية. اعتمدت إيطاليا أسلوب الهجمات المرتدة، فبمجرد استخلاص الكرة، تُمرَّر سريعًا وبأقل عدد من اللمسات إلى المهاجمين أو صانع الألعاب لخطف هدف الفوز. حوّل هذا النهج المنتخب والفرق الإيطالية إلى حصون دفاعية يصعب اختراقها، وهو ما مكنهم من حصد العديد من الألقاب المحلية والقارية. وقد خلصت الدراسات إلى أن عوامل الفوز لم تعد تعتمد على المهارات الفردية بقدر ما تعتمد على التنظيم الدفاعي والرقابة اللصيقة، والتحول السريع نحو الهجوم المباغت.

بداية العولمة الكروية

توالت العروض الأوروبية المغرية على لاعبي المنتخب البرازيلي -باستثناء حارس المرمى النكبة- لا سيما من الأندية الإيطالية التي كانت منتشيةً بتتويج منتخب بلادها بكأس العالم 1982، فقد قدّم نجوم البرازيل في تلك النسخة كرة قدم ساحرةً لم أشهد لها مثيلاً، حتى في حقبتي “الملك” بيليه و”الهولندي الطائر” كرويف. وبعد خروجهم الحزين أمام إيطاليا، أرى في تلك المباراة نقطة تحولٍ مفصلية في تاريخ اللعبة، إذ انحازت كرة القدم منذ ذلك الحين -وإلى الأبد- للانضباط التكتيكي على حساب الفن والمتعة. لم يجد اللاعبون اللاتينيون ضالتهم في البداية مع أساليب التنظيم الدفاعي والرقابة اللصيقة التي سادت في أوروبا، فتعثرت تجارب معظمهم هناك، لكنهم تأقلموا تدريجيًا ونقلوا هذه المنهجيات إلى منتخباتهم الوطنية، فانحسر الطابع الكروي اللاتيني الكلاسيكي وغاب، ولم يعد له أثرٌ إلا في بعض أنديتها البعيدة عن المشهد الأوروبي.

فرضت هذه الأساليب الجديدة مهامًا إضافية قيّدت حركة اللاعبين المهاريين، وألزمتهم بالتحرك المحسوب، وإغلاق المساحات، والمساندة الدفاعية الفورية، مع تحجيم الأدوار الفردية إلى أضيق الحدود، مما جاء على حساب المتعة البصرية.

‎لقد حاولت البرازيل في نسختي كأس العالم 1986 و1990 الجمع بين الأداء الممتع والأساليب الدفاعية الحديثة، لكنها خرجت مبكرًا أمام فرنسا والأرجنتين على التوالي. وفي عام 1994، حين تخلت عن أسلوبها المهاري واعتمدت النهج الحديث، ظفرت باللقب بعد غياب دام 24 عامًا، ليصبح جليًا أن الفوز بالبطولات لم يعد مرتبطً بالمتعة والمهارات الفردية.

لتقريب الصورة عما آلت إليه أساليب كرة القدم، تخيّل لو تلاشت الفوارق بين المطابخ العالمية، فلم يعد المطبخ الصيني متفردًا بنكهاته، ولا الهندي ببهاراته، ولا الإيطالي بأطباقه التقليدية، فحين تقصد مطعمًا هنديًا لتناول “الدجاج بالكاري”، تجده ممزوجًا بلمسات صينية أو فرنسية، قد يكون الطبق لذيذًا، لكنه يفتقر إلى هوية واضحة. هكذا تفقد هذه المطابخ ميزتها التنافسية حين تصبح جميعها متشابهة، وهذا بالضبط ما حدث لكرة القدم.

لطالما كانت المواجهات الكروية بين البرازيل وألمانيا -على سبيل المثال لا الحصر- متعةً كروية نفتقدها اليوم، إذ كان لكل منهما أسلوبه المتفرد، فبينما اتسم الأداء البرازيلي بالتمريرات القصيرة والمهارات الفردية والكرات الطويلة على الأطراف، تميز نظيره الألماني بالقوة البدنية والهجوم السريع والالتزام الصارم بتعليمات المدرب. أما اليوم، فعند مشاهدة مباراة تجمع المنتخبين، يبدو الأمر وكأنهما فريقان من مدينة واحدة، فقد تشابهت أساليب لعبهما إلى حد كبير، لتصبح قائمة على التنظيم الدفاعي والرقابة اللصيقة والهجمات المرتدة، وما يظهر من فواصل مهارية سرعان ما يُجهض بسبب سرعة إيقاع اللعب.

وهكذا تراجعت المتعة في كرة القدم الحديثة، إذ حلّت السرعة والدقة وتبادل المراكز والتركيز على الأساليب الدفاعية محلّ الإبداع. لقد دفعني هذا التغيير والاعتماد المفرط على المهام التكتيكية المقيدة إلى الإقلال من مشاهدتها، فقد أضحت في نظري رياضةً مملةً ومكررةً تفتقر إلى روح المنافسة الممتعة.

كرة القدم بين المتعة والعلم.

ما سبق هو حنينٌ إلى الماضي لا تمنٍّ للعودة إليه؛ فسنّة الحياة أن لا شيء يعود إلى الوراء مهما بلغ جماله، ولعلّ هذه الحكاية تدفعكم للعودة إلى مقاطع الفيديو القديمة على يوتيوب لاستعادة شيءٍ من ذلك الماضي، جرّبوا، فلن تخسروا شيئاً.

الأساليب (المدارس) الكروية:

البرازيلي: يتميز الأسلوب البرازيلي بمزيج من المهارات الفردية الاستثنائية، والسرعة، والإيقاع الهجومي المبدع الذي يعتمد على المراوغة واللعب على الأجنحة. وتُصقل هذه المهارات في التحكم بالكرة منذ الصغر في ملاعب الشوارع. ومن أبرز عباقرة هذا الأسلوب الذين عاصرتهم: الملك بيليه، وتوستاو وريفالينو، وسقراط، وزيكو.

الإيطالي: يُعرف الأسلوب الإيطالي بـ “الكاتيناتشو” (القفل)، وهو يعتمد على التنظيم الدفاعي الصارم، وتضييق المساحات على الخصم، والالتزام التكتيكي العالي. يرتكز هذا الأسلوب على وجود مدافع إضافي (القشاش) خلف خط الدفاع لتغطية الهفوات، مع الاعتماد على الهجمات المرتدة الخاطفة لاستغلال تقدم المنافس. ومن أبرز رموز هذا الأسلوب: الحارس زوف، وجنتيلي، وروسي.

الإنجليزي: يتميز أسلوب كرة القدم الإنجليزية بالاعتماد على القوة البدنية، والسرعة العالية، واللعب المباشر، وتمرير الكرات الطويلة نحو منطقة الجزاء، ويُعد بوبي تشارلتون وبوبي مور من أبرز رواد هذا الأسلوب.

الهولندي: تُعرف الكرة الهولندية بفلسفة “الكرة الشاملة” الهجومية؛ حيث لا يتقيد اللاعبون بمراكز ثابتة، بل يتبادلون الأدوار بسلاسة لتغطية أي فراغ في الملعب. وتتيح هذه المرونة لأي لاعب التحول من الهجوم إلى الدفاع، وتبادل مركزه مع زميله لضمان استمرار السيطرة. كما يعتمد الأسلوب على استعادة الكرة فور فقدانها لمنع الخصم من تنظيم صفوفه، ويُعد اللاعب الفذ يوهان كرويف ونيسكينز ورود كرول أبرز رواد هذا الأسلوب.

الألماني: يعتمد الأسلوب الألماني على القوة البدنية، والانضباط التكتيكي الصارم، والروح القتالية العالية حتى الثواني الأخيرة. ويشتهر هذا النهج بالدفاع المنظم، والصلابة، وبناء الهجمات بكفاءة، مع التركيز على الكرات العرضية والفاعلية الهجومية بدلاً من الاستحواذ المفرط. ومن أبرز رموز هذا الأسلوب فرانز بكنباور وجيرالد مولر وبرايتنر. .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى