حمود الصهيبي يكتب لـ “درة”| قصيدة النثر جدلية لا تنتهي

تُعَدُّ قصيدة النثر واحدة من أكثر الأشكال الشعرية إثارة للجدل في الثقافة العربية الحديثة، فهي قطعة نثر غير موزونة، تأتي القافية فيها في مناطق مختلفة من الأبيات وأحياناً تكون غير مقفاة، لكنها تحمل صوراً ومعاني شاعرية، وأغلبها يكون ذا موضوع واحد. وقد عرّفتها الناقدة الفرنسية” سوزان برنار” ( بأنها قطعة نثر موجزة بما فيه الكفاية، موحّدة، مضغوطة كقطعة من بلّور، خلق حرّ، ليس له من ضرورة غير رغبة المؤلف في البناء خارجاً عن كلّ تحديد، وشيء مضطرب، إيحاءاته لا نهائية) . وتؤكد برنار أن قصيدة النثر ليست نثراً جميلاً فحسب، بل جنس شعري متميز له إيقاعه الخاص وموسيقاه الداخلية التي تعتمد على الألفاظ وتتابعها، والصور وتكاملها، والحالة العامة للقصيدة. أما الشاعر اللبناني أنسي الحاج، أحد أهم شعراء قصيدة النثر العربية، فيحدد شروطها بثلاثة: الإيجاز والتوهج والمجانية.
وظهرت قصيدة النثر في الغرب على يد الشعراء الرمزيين الفرنسيين، وعلى رأسهم شارل بودلير في مجموعته “قصائد نثرية قصيرة”، ثم رامبو ومالرميه، وقد قامت سوزان برنار بأول تأريخ شامل لهذا النوع الشعري في كتابها “قصيدة النثر من بودلير حتى أيامنا” عام 1959. أما في العالم العربي، فقد تشكلت نواة هذا الشعر مع كل من أدونيس وخليل حاوي ونذير العظمة ومحمد الماغوط، ثم انضم إليهم أنسي الحاج وخالدة سعيد، ويشير الباحثون إلى أن الهوس بالمنجز الحضاري الغربي كان من أهم العوامل المساهمة في نشأة قصيدة النثر العربية، وشكّل ظهور مجلة “شعر” في العراق عام 1968 منبراً يدعو الشعراء إلى كتابة قصيدة النثر.
تبدأ إشكاليات قصيدة النثر العربية من المصطلح ذاته، إذ إن كثيراً من النقاد والباحثين لا يميزون بينها وبين الشعر الحر، بل إن بعضهم يتحدث عن ريادة نازك الملائكة لها، في حين أنها كانت من أشد خصوم هذه القصيدة. ويذهب الشاعر أمجد ناصر إلى أن قصيدة النثر قصيدة مادتها النثر، وعلى العكس من القصيدة الحرة فهي – قصيدة النثر -ولدت على الورقة، أي كتابياً، وليس لها أصل شفوي كما هو الحال في الشعر العمودي والحر، وهذا القول يشير إلى جوهر الفارق: فالشعر العمودي والحر نشآ في فضاء شفوي وارتبطا بالغناء والإلقاء، بينما قصيدة النثر ابنة الكتابة والصفحة البيضاء، ما يمنحها خصوصية في البناء والتركيب. ويرى أمجد ناصر أن معظم ما يكتب اليوم تحت عنوان قصيدة النثر في العالم العربي لا يشبه قصيدة النثر الحقيقية، فقصيدة النثر الحقيقية – في نظره – تتطرف تعبيرياً وشكلياً، وتنقلب على اللغة والقصيدة الخليلية، وتسعى إلى استقلالية ككائن حي لا يقبل غير تسميته.
ويقول الناقد الدكتور عماد الضمور إن قصيدة النثر تكشف عن أزمة في مسيرة الشعر العربي الحديث بسبب ما يصدر عن تلقيها من ردود فعل غاضبة أحياناً ومتباينة أحياناً في قبولها لوجودها، بعدما اعتادت الذائقة العربية على القصيدة التقليدية القائمة على الوزن والقافية، فضلاً عن قصيدة التفعيلة. في المقابل، يرى الناقد السعودي الدكتور عبدالله الغذامي أن قصيدة النثر هي أصعب أشكال الشعر، فالنصّ يستغني عن الوزن والإيقاع، ويذهب لإيقاع المعنى وإذهال المعنى ودهشته، فالقصيدة هنا تعوض غياب الموسيقى الخارجية بإيقاع داخلي يقوم على اللغة والصورة والتكثيف. وإذا كان أرسطو قد قال إن المدينة إذا تغيرت تغيرت الموسيقى، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو هل للانفتاح الثقافي دور في تغير الموسيقى والشعر على حد سواء؟
ويُعَد محمد الماغوط رائداً من رواد قصيدة النثر العربية، كانت حياته قاسية، مغلفة بالفقر والشتات والحزن، وتجربة السجن قبل بلوغه العشرين غيّرته بشكل جلي من مجرد فلاح بسيط إلى كائن يسكنه الرعب وتزعجه الكوابيس، وكتب أولى قصائده وعنوانها “القتل” في السجن، واستطاع في دواوينه الثلاثة الأولى أن يؤسس مدرسة شعرية جديدة عمادها التجربة. أما عن أسباب انتهاء تجربته، كما يراها البعض، فقد تكون مرتبطة بتوقف التطور والتجديد، أو بانغلاق القصيدة على نفسها، أو بتحول اهتمامات الشاعر، لكن الأرجح أن تجربة الماغوط لم تنتهِ بقدر ما اكتملت وبلغت ذروتها، وأثرت في من جاء بعده. ومن جهة أخرى، يبقى الخلاف حول مسمى قصيدة النثر قائماً، فحتى محمود درويش عندما كتب أثر الفراشة لم يسمها قصيدة بل أسماها يوميات، مما يشير إلى أن إشكالية التسمية لا تزال حاضرة بقوة.
بدأت قصيدة النثر في الخليج مع الجيل الأول من كتابها، مثل قاسم حداد من البحرين وأحمد راشد ثاني من الإمارات وسيف الرحبي من سلطنة عمان، الذين خاضوا المعركة الأولى لتثبيت هذا الشكل الشعري في المشهد الثقافي الخليجي. وفي السعودية، برزت أصوات شعرية عدة، من أبرزهم محمد خضر الغامدي، الذي ينتمي إلى الجيل الأكثر حداثة ويمكن وضعه ضمن الجيل الثالث للحداثة السعودية، أي المرحلة التي تلي شعراء التسعينيات، يكتب محمد خضر قصيدته بأداة حديثة جداً، استطاع فيها ربط قالب قصيدة النثر بروح القصيدة الحديثة، متخلياً عن الفكرة النسقية المطروحة في النقد الثقافي إلى المفهوم الكوني والنسق الإنساني. ومن أبرز التجارب السعودية الأخرى فوزية أبو خالد التي تمثل تجربة فريدة، إذ أصدرت أول دواوينها “إلى متى يختطفونك ليلة العرس؟” عام 1973 وهي في الخامسة عشرة من عمرها، ويُطلَق على جيل التسعينيات في قصيدة النثر “الفترة الذهبية”، حيث شهد هذا العقد ازدهاراً كبيراً في كتابة هذا اللون الشعري وتنوعاً في أساليبه واتجاهاته، مع تحولات انفجارية في البنى النظرية التي تأسست عليها الحداثة. أما على الصعيد النقدي، فقد تنوعت المواقف بين مؤيد ومعارض، فمن أبرز النقاد الذين وقفوا مع قصيدة النثر سوزان برنار في دراستها التاريخية، وعبدالله الغذامي الذي اعتبرها أصعب أشكال الشعر، ومن أبرز النقادات الموجهة إليها اتهامها بالغموض والإغراق في الذاتية، وبعدها عن القضايا الكبرى والمناسبات الوطنية مقارنة بالشعر العمودي والحر، وهو ما يلاحظ غيابها فيه بوضوح.
تتنوع أشكال قصيدة النثر، إذ تكتب بأكثر من شكل مما يسبب لدى المتلقي عدم استقرار على مفهوم موحد لها، وتتخذ قصيدة النثر شكلين رئيسيين هما الكتابة والمشافهة، وتتنوع مكوناتها بين المكون السريالي والأسطوري والمعاشي اليومي. ومن مكوناتها الأساسية الصورة الشعرية التي تُعَد المكون الرئيسي، والإيقاع الداخلي القائم على الألفاظ وتتابعها، والتكثيف والإيجاز، واللجوء إلى المجاز الكلي بدلاً من الاستعارة التقليدية. هذا التنوع في الأشكال والمكونات يعكس مرونة قصيدة النثر وقدرتها على التجدد، لكنه في الوقت نفسه يزيد من حيرة المتلقي حول ماهيتها وحدودها، وهو ما يفسر لماذا نلاحظ في التجربة الواحدة اختلافاً في الأسلوب والشكل والتكنيك، فالقصيدة تتغير بتغير رؤية الشاعر وحاجاته التعبيرية، وهي ليست قالباً جامداً بل كائن حي يتطور مع صاحبه ، الذي يقوم الشاعر الذي يكتب قصيدة النثر على فلسفة مغايرة، فهو يؤمن بأن الشعر ليس وزناً وقافية فحسب، بل إحساس ورؤية وصورة، ويعتمد على المخيلة بوصفها الأداة الرئيسية للخلق، ويتحرر من قيود النظام العروضي ليصل إلى ما يسميه الغذامي “إيقاع المعنى”. أما الفرق بين إشكالية الدرس الشعري والتجربة الشعرية، فيكمن في أن الأولى تتعلق بالنظريات النقدية والتصنيفات الأكاديمية وحدود الأجناس الأدبية، بينما الثانية متعلقة بالممارسة الإبداعية نفسها، بما تحمله من خصوصية وتفرد وتجاوز للتصنيفات، وقد يكون الخلاف والصراع حول قصيدة النثر نابعاً من تعصب كل فئة للشكل الذي تكتبه، وعدم قدرة البعض على تقبل ما يخرج عن المألوف.
وفي سياق هذا الحراك الإبداعي، تبرز جماعة “شتا” الفنية الأدبية السعودية التي أسسها مجموعة من الشباب السعودي، وتعنى بالشعر والتشكيل والأزياء، وتقدم تعريفاً للإبداع خارج حدود التصنيف، وقد تجاوز عمر هذه الجماعة عقداً كاملاً من النشاط، ممتزجة بالفن المعاصر والشعر والفنون الأخرى، وتؤكد “شتا” روح التجديد والانفتاح التي ميزت المشهد الثقافي السعودي في العقدين الأخيرين، وتذكرنا بأن الإبداع لا يقف عند حدود النوع الأدبي أو الشكل الفني الواحد ، وتظل قصيدة النثر واحدة من أكثر التجارب الشعرية إثارة للجدل في الثقافة العربية، ورغم مرور نحو سبعين عاماً على نشأتها في العالم العربي، فإن الجدل حول شرعيتها الشعرية وماهيتها ومستقبلها لا يزال قائماً، لكن ما لا شك فيه أنها أثبتت حضورها، وفرضت نفسها كأحد أهم أشكال التعبير الشعري المعاصر، وفتحت آفاقاً جديدة للكتابة الإبداعية في العالم العربي، مع بقاء السؤال الأهم الذي تطرحه قصيدة النثر نفسها: هل يمكن للشعر أن يتجرد من كل قيد ليصبح روحاً خالصة تتدفق على الورق دون أن تفقد هويتها؟