الكذبة البيضاء… عندما أصبحت ترتدي ثوب البراءة!

بقلم / مبارك البوادي  

في زمنٍ مضى، كان الكذب يختبئ خلف الأبواب، يخجل أن يرفع رأسه بين الناس، أما اليوم فقد أصبح أنيقًا، يلبس ربطة عنق، ويقدم نفسه بكل ثقة قائلاً: “لا تخاف… أنا مجرد كذبة بيضاء!”
ولا ندري لماذا سموها بيضاء، مع أن آثارها كثيرًا ما تكون سوداء على القلوب والعلاقات.
أصبح البعض إذا تأخر عن موعد قال: “أنا بالطريق”، وهو في الحقيقة ما زال يبحث عن مفاتيح السيارة! وإذا نسي وعدًا قال: “والله كنت ناوي”، وإذا انكشف أمره ابتسم وقال: “أمزح معك!”
وهكذا تحولت الكذبة إلى ضيفة دائمة، مرة باسم المجاملة، ومرة باسم المزاح، ومرة باسم الظروف، حتى صار الصدق هو الغريب في بعض المجالس.
المشكلة ليست في كذبة عابرة، بل في اعتيادها. فمن اعتاد الكذب في الصغير، هان عليه الكبير، ومن فقد الناس ثقتهم بك، فلن يعيدها ألف قسم ولا مئة اعتذار.
والأعجب من ذلك أن بعض الناس إذا وجد رجلًا صادقًا مخلصًا ظن أنه ساذج! وكأن الصدق أصبح عملة نادرة، والإخلاص يحتاج إلى تفسير. مع أن المجتمعات الراقية لا تقوم إلا على الثقة، والأسر المستقرة لا يحفظها إلا الصدق، والصداقة الحقيقية لا تعيش إلا بالإخلاص.
تخيل لو أن للكذب عدادًا يظهر فوق رأس صاحبه، كم شخصًا سيبحث عن أقرب مخرج من المجلس؟ ولعل كثيرًا من الهواتف ستصدر إشعارًا جديدًا: “تنبيه… هذه الرسالة تحتوي على نسبة عالية من الخيال!”
لكن الواقع أجمل من كل هذه الطرائف؛ فالصدق يمنح صاحبه راحة لا يشتريها مال، ويكسبه احترامًا يدوم سنوات، بينما الكذب يحتاج إلى كذبة أخرى ليغطيه، ثم ثالثة، حتى يضيع صاحبه بين الروايات.
فلنجعل الصدق عنوان كلامنا، والإخلاص أساس تعاملنا، ولنتذكر دائمًا أن الكلمة الصادقة قد تبني علاقة عمر، بينما الكذبة، مهما صغرت أو تلونت بالأبيض، قد تهدمها في لحظة.
فالصدق ليس مجرد خُلُق جميل، بل هو أجمل استثمار في الأسرة، وبين الأصدقاء، وفي المجتمع كله.
[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى