حمود الصهيبي يكتب لـ “درة”| التحليل السردي وفق نموذج جيرار جينيت

بقلم / حمود الصهيبي  

عندما نقرأ رواية أو نشاهد فيلماً أو نستمع إلى حكاية ، فإننا نتعامل مع عالم سردي متكامل، لكن كيف يمكننا تحليل هذا العالم وفهم بنيته الداخلية؟ هذا ما يسعى إليه التحليل السردي، تحديداً من خلال نموذج الناقد الفرنسي “جيرار جينيت”، الذي يُعد من أهم النماذج في هذا المجال لوضوحه وشموليته,وما يميز نموذج جينيت أنه يركز على النص من الداخل، بمعزل عن علاقاته الخارجية بالمؤلف أو القارئ، إنه يتعامل مع النص السردي وكأنه بناء لغوي متكامل، يشبه الجملة النحوية التي تتكون من عناصر مترابطة، لكل منها وظيفته.
يميز جينيت بين ثلاثة مستويات أساسية في التحليل السردي، وهي تمثل العمود الفقري لنموذجه. أولاً القصة، وهي العالم الخيالي الذي يسعى السارد إلى نقله إلينا عبر اللغة، تخيل أنك تسمع حكاية عن سيف بن ذي يزن أو عنترة بن شداد، فهذه الحكاية بكل أحداثها وشخصياتها هي القصة عند جينيت. ثانياً الخطاب أو الحكاية، وهو النص نفسه، أي الكلمات المكتوبة أو المنطوقة التي تحمل إلينا القصة، فالخطاب له زمنه الخاص الذي يختلف عن زمن القصة، وله مكانه وحجمه واتجاهاته المختلفة. ثالثاً السرد، وهو فعل القص نفسه، أي الطريقة التي نُظمت بها الأحداث، وهذا يشمل زاوية الرؤية، والأصوات السردية، وطرق التقديم. ويقيم جينيت علاقات بين هذه المستويات الثلاثة، فالعلاقة بين القصة والحكاية تتعلق بالزمن، والعلاقة بين القصة والسرد تتعلق بالصيغة، والعلاقة بين السرد والحكاية تتعلق بالصوت.
عندما نطبق نموذج جينيت عملياً، نبدأ بتحليل الزمن، لأنه العنصر الأكثر وضوحاً، فهناك دائماً زمانان في أي عمل سردي: زمن وقوع الأحداث الفعلي، وزمن روايتها في النص. ندرس ذلك من خلال الترتيب، وهو مقارنة ترتيب الأحداث في القصة بترتيب روايتها، فقد تبدأ الرواية من النهاية، أو تعود إلى الماضي فيما يُعرف بالاسترجاع، أو تتقدم إلى المستقبل فيما يُعرف بالاستباق، ومثلاً عندما يقول ماركيز في مائة عام من العزلة عن شخصية ما: “وهذا سيصبح رئيساً للدولة بعد عشر سنوات من الآن”، فهو يختصر عشر سنوات في جملة واحدة. وندرس أيضاً المدة، وهي العلاقة بين زمن وقوع الأحداث وزمن روايتها، وقد تكون المدة متساوية كما في الحوار، أو أقصر كما في التلخيص، أو أطول كما في الوصف النفسي. وندرس التواتر، أي التكرار، وهل نروي مرة واحدة ما حدث مرة واحدة، أم نكرر رواية الحدث نفسه من زوايا مختلفة.
أما المكان فيتحدد من خلال وصفه وعلاقته بالزمان، فلا يمكن فصل المكان عن الزمان، فكلاهما يكمل الآخر، وندرس وصف المكان وبناءه والأشياء الموجودة فيه. وفيما يتعلق بالأفعال والشخصيات، فالأفعال هي الأحداث التي يقوم بها الأشخاص، وقد أولى جينيت عناية خاصة بها مع الشخصيات التي تنقسم إلى شخصيات رئيسية ومركزية ونامية ومتراجعة وأخرى ذات مساحة قليلة، لكن جينيت كان مهتماً بشكل النص وبنيته أكثر من اهتمامه بالمضمون.
ثم ننتقل إلى الصيغة السردية وزاوية الرؤية، حيث نسأل: من يرى؟ ومن يتحدث؟ فالصيغة تتعلق بكيفية تقديم الخطاب، سواء عبر المحاكاة التي تتمثل في الحوار، أو التقديم الذي يتمثل في الحكي والسرد، كما تتناول كيفية نقل الأقوال، وهل هي منقولة حرفياً أم مروية بصيغة غير مباشرة. أما زاوية الرؤية فتشمل ثلاثة أنماط رئيسية: الراوي العليم الذي يعرف كل شيء عن الشخصيات ويعتمد على ضمير الغائب، والراوي الخارجي المحايد الذي يصف فقط ما تراه حواسه ويعتمد على النظرية السلوكية في علم النفس، والراوي المحايد أو المشارك الذي تكون معرفته محدودة بمعرفة الشخصية ويعتمد على ضمير المتكلم أو الغائب، وقد يكون شاهداً على الأحداث أو شخصية داخل القصة تساهم في الحكاية نفسها.
وأخيراً نبحث في الأصوات السردية من خلال علاقة السرد بالحكاية، ونسأل: من يتحدث؟ وكيف يتحدث؟ فنحن ندرس المقام السردي أي “التقليدي “زمن السرد من ماضٍ أو حاضر أو مستقبل، والمستويات السردية أي الحكايات المتداخلة ورصد المسافات الزمنية والمكانية، والانتقالات أي المرور من مستوى سردي إلى آخر، والسارد والمسرود له أي هل الراوي داخل القصة أم خارجها، وما وظائف السرد التي تشمل الوظيفة المحضة وهي القص، ووظيفة الإدارة، والوظيفة التواصلية، والوظيفة الانفعالية، والبينة أو الشهادة.
من أهم ما يميز نموذج جينيت أنه ليس نموذجاً جامداً، فهو يسمح بتحولات وتعديلات داخل العناصر، ويمكن إحداث تباديل وتوافيق بين العلاقات، بل وحذف بعض العلاقات واستحضار أخرى، وهذا يعني أنه يمكننا تطبيق النموذج كله أو جزء منه حسب ما يخدم تحليلنا، فلا يجب دراسة العمل في كل العناصر، بل يمكننا اختيار جزء منها. وهكذا يمنحنا نموذج جيرار جينيت أدوات قيمة لتحليل الأعمال السردية بكل أنواعها من رواية وقصة قصيرة وشعر وفيلم، فهو يركز على البنية الداخلية للنص، ويدرس العلاقات المعقدة بين القصة والخطاب والسرد، والأهم أنه نموذج مرن يتكيف مع خصوصية كل عمل، مما يجعله من أكثر النماذج استخداماً في الدراسات السردية المعاصرة.

* المرجع: الدكتور محمود الضبع، “ثقافات عابرة” – نموذج جيرار جينيت في التحليل السردي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى