حكاية البيت الذي هزّ عرش أركان الصلابة

بقلم/ بشرى محمد الحويطات  

طالما تردّد على ألسنة الناس بيتٌ من الشعر كأنه وشمٌ من الوجد يُحفر في الذاكرة، وكنتُ أظنه كما يظنّ العشّاق صرخة لوعةٍ لقلبٍ أضناه الشوق لمحبوبةٍ غائبة، فقد قال الشاعر:
«قِدَم الموادع نحسب إنّا قويين.. وعند الوداع أثر أضعف الناس حنّا»
ولكن، حين تقفيْتُ أثر الكلمات لألج ديوان القصيدة، تلامسْتُ مع حقيقةٍ أصدقَ وأطهر، وأشدّ إيلاماً من أحلام العشّاق؛ لم يكن الحبيب يناجي حبيبه، بل كان الشاعر الكبير عبدالله بن عون يخلع هيبة الشيب وجلَد الصحراء، ليقف حائراً خاشياً من أن يربكه حزنُ ابنته، ويهَزّ أركانه خوفُه من دمعتها وهي تستعدّ لوداعه بعد زيارةٍ ألّفت بين أرواحهم.
تبدأ هذه الملحمة العاطفية بنداءٍ هادئ يفيض بالوداعة واللطف، ينادي الشاعر ابنته ليتهيّأ القلب لفاجعة الفراق الوشيك، فيبدأ الشاعر مطلع قصيدته قائلا:
«يا ريم حنّا ليلة السبت ماشين.. عقب الزيارة راجعينٍ لهلنا»
إنه صوت الأبوّة الدافئ، يحاول احتواء صدمة الرحيل بلهجةٍ أليفة تُهوّن وطأة السفر، التي تؤلم القلوب الصادقة، ثم يعرجُ على طهارة المقصد وبركة اللقاء، حيث قال:
«زرنا الأقارب وأعتمرنا بالاثنين.. الله يمّنا ويمّن وطنا»
يستعين الشاعر في هذا البيت بالروحانيات والرحمات، ويشدّ بها على قلبه وقلب ابنته، وكأنما يهمس لها بأن الوصل الذي أُسّس على طاعة الله يتسامى فوق حدود الجغرافيا ومسافات الطريق.
وفي تجلٍّ إنسانيّ نادر، يرتدّ الشاعر إلى براءة طفولته العاطفية، معترفاً برهافة حسّه الفائق، يقول:
«وأنا تراني ما احتمل دمعة العين.. سواء من أقصى الناس وإن كان منّا»
إنها شفافية روحٍ لا تطيق رؤية الحزن في عين الغريب، فكيف إذا كانت الدمعة تترقرق في عين قطعةٍ من روحه؟ وهنا يصل الوجد أوجَه حين يتوسل إليها بلطف الأب وحنانه العارم:
«وإن كان ودك يا أم فيحان تبكين؟.. صدّي إليا جينا نوادعك عنّا»
وليس طلبُ الصّدّ هنا إلا أقصى درجات الشفقة والرحمة؛ فهو يعلم يقيناً أن نظرةً واحدة في عينيها الدامعتين كفيلةٌ بهدم حصون صبره، ونسف كبرياء صلابته، واستنزاف ما بقي في قلبه من جلد.
ثم يتوّج الشاعر ملحمته بالبيت الذي شَيَّد هذه القراءة، ليصوغ قانوناً إنسانياً خافقاً يثبت أن الأب هو السند الأوفى، وأن الابنة هي أميرة أسراره وملاذ حنانه:
«قِدَم الموادع نحسب إنّا قويين.. وعند الوداع أثر أضعف الناس حنّا»
إنها لحظة السقوط الكبير لأوهام التماسك؛ فحين تحين لحظة التماس الأخيرة، تسقط كل الأقنعة النبيلة التي ارتدينها لنبدو أقوياء، ونكتشف أننا في مواجهة الحب الصادق أضعف خلق الله وأشدّهم هشاشة.
يقولون دائماً “إنّ ختامها مسك” إلا هذه القصيدة الفذة، فقد كانت مسكاً يتضوّع من مطلعها إلى أقصاها، تجسيداً شاهداً على طهارة مشاعر الآباء وعمق بؤرتها، متّع الله الشاعر الكبير عبدالله بن عون بموفور الصحة والعافية، وأسبغ عليه أثواب السلامة وطول العمر، جزاء ما أهدى للذائقة العربية من صدقِ الشعور، وجميل القول، ونبل الفؤاد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى