اشكروا كما تنتقدوا

بقلم / فواز بن لوفان الظفيري  

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه .. أما بعد :

فإن الملاحظ في علاقتنا الاجتماعية مع شتى أطياف المجتمع بدءاً من الأقربين ( زوج – زوجة – أخ ..الخ)
الى الآخرين من جيران وزملاء وأصدقاء يحكم هذه العلاقة ثقافة الغضب عند الخطأ والمواقف السيئة بل يتعدى ذلك أحياناً الى الظلم والنكران للجميل !!

والحقيقة أن الله تعالى ذكر جنس الانسان فقال تعالى
(خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ) [الأنبياء: 37]

وقال :( ان الانسان ليطغى) العلق ٦
وقال : ( ان الانسان خلق هلوعا اذا مسه الشر جزوعا واذا مسه الخير منوعا) المعارج ١٩-٢١

وهذه طبيعة البشر اذا لم تهذب وتعلم وتعرف طريق الخير والصلاح والتوحيد والسنة. فإنها تضيع.

وقد جعل الله للإنسان فطرةً وعقلاً وهدايةً قادرة على تزكية النفس وترويض هذه الطبائع، بدليل استثناء القرآن لمن آمن وأقام الصلاة وتخلق بالفضائل مثل قوله: ﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾، وقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: 9-10].

ومِنْ مُفَارَقَاتِنَا العَجِيبَةِ والظَّالِمَةِ في التَّعَامُلِ معَ الآخَرِينَ؛ أَنَّنَا نَجْعَلُ مَوَاقِفَهُمُ الطيبة والنبيلة مَعَنَا حَدَثًا عَادِيًّا وَشيئاً بسيطاً ، ولا تَأْخُذُ حَظَّهَا مِنَ الشُّكْرِ وَالامْتِنَانِ، وتَذْهَبُ بَعِيدًا في أَقْصَى الذَّاكِرَةِ. بَيْنَمَا نَتَعَامَلُ معَ مَوَاقِفِهِمُ الغير جيدة أو أَخْطَائِهِمْ تِجَاهَنَا، بِصُورَةٍ مُخْتَلِفَةٍ ونَتَوَقَّفُ عِنْدَهَا وَتَأْخُذُ حَقَّهَا كَامِلًا مِنَ التَّذَكُّرِ وَالعِتَابِ، ورُبَّمَا مَا هُوَ أَبْعَدُ مِنَ العِتَابِ، مِنَ القَطِيعَةِ وَالهِجْرَانِ. وهذا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَجْعَلَ هذِهِ العَلَاقَاتِ الاجتماعية، القَائِمَةَ على هذِهِ المُفَارَقَاتِ، تَفْقِدُ التَّوَازُنَ وَالعَدْلَ، ويُسْرِعُ إِلَيْهَا الاخْتِلَالُ وَالظُّلْمُ، وَتَحْكُمُهَا البَغْضَاءُ وَالحِقْدُ؛ لِأَنَّ الأَخْطَاءَ حَاضِرَةٌ أَمَامَ العِيَانِ، قَدْ تَضَخَّمَتْ فَحَجَبَتْ كُلَّ جَمِيلٍ وَحَسَنٍ. وموقف نبيل.  فَكَمْ دَمَّرَتْ هذِهِ المُفَارَقَةُ العَجِيبَةُ الكَثِيرَ مِنَ العَلَاقَاتِ الجَمِيلَةِ، بَيْنَ الأَزْوَاجِ، أوِ الإِخْوَانِ، أوِ الجِيرَانِ، أوِ الأَقَاربِ والأَصْدِقَاءِ؟! وَكَمْ تَسَبَّبَ خَطَأٌ وَاحِدٌ في محو ونسيان الكَثِيرِ مِنَ الحَسَنَاتِ، وَالتَّنَكُّرِ لِكُلِّ جَمِيلٍ مِنَ المَوَاقِفِ التي لاينبغى أن تُنسى عند أهل الوفاء؟! 

الإِسْلَامُ حَثَّ عَلَى الشُّكْرِورغب فيه ، فَالنَّبِيُّ ﷺ قَالَ: «مَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُونَهُ فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَرَوْا أَنَّكُمْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ». رواه أحمد وأبو داود. وَحَيَاةُ النَّبِيِّ ﷺ حَافِلَةٌ بِالشُّكْرِ وَالامْتِنَانِ  ولنا في وسول الله تعالى اسوةٌ حسنة،  صعد نبينا صلى الله عليه وسلم على المِنْبَرِوقال : «مَا لِأَحَدٍ عِنْدَنَا يَدٌ إِلَّا وَقَدْ كَافَأْنَاهُ، مَا خَلَا أَبَا بَكْرٍ، فَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا يَدًا يُكَافِئُهُ اللهُ بِهَا يَوْمَ القِيَامَةِ، وَمَا نَفَعَنِي مَالُ أَحَدٍ قَطُّ مَا نَفَعَنِي مَالُ أَبِي بَكْرٍ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، أَلَا وَإِنَّ صَاحِبَكُمْ خَلِيلُ اللهِ». رواه الترمذي. ،وَلَمْ يَنْسَ مَعْرُوفَ خَدِيجَةَ رضي الله عنها طُولَ حَيَاتِهِ، وَ«كَانَ إِذَا ذَبَحَ الشَّاةَ قَالَ: أَرْسِلُوا بِهَا إِلَى أَصْدِقَاءِ خَدِيجَةَ». رواه مسلم.  وَقَالَ يَوْمًا لِعَائِشَةَ رضي الله عنها مُذَكِّرًا إِيَّاهَا بِفَضْلِ خَدِيجَةَ رضي الله عنها: «مَا أَبْدَلَنِي اللهُ عَزَّ وَجَلَّ خَيْرًا مِنْهَا، قَدْ آمَنَتْ بِي إِذْ كَفَرَ بِي النَّاسُ، وَصَدَّقَتْنِي إِذْ كَذَّبَنِي النَّاسُ، وَوَاسَتْنِي بِمَالِهَا إِذْ حَرَمَنِي النَّاسُ، وَرَزَقَنِي اللهُ عَزَّ وَجَلَّ وَلَدَهَا إِذْ حَرَمَنِي أَوْلَادَ النِّسَاءِ».  رواه البخاري ومسلم.
 

فَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ يُعَامِلَنَا اللهُ بِعَفْوِهِ وَغُفْرَانِهِ، وَيَشْكُرَ لَنَا أَعْمَالَنَا، فَلْنَشْكُرْ لِلنَّاسِ صَنِيعَهُمْ وَمَعْرُوفَهُمْ، وَلْنَحْذَرْ مِنْ أَنْ يَطْوِيَهُ الجُحُودُ وَالنِّسْيَانُ. 
 
واذا أردنا أن تستمر علاقاتنا مع أحبابنا فلنشكر المواقف الجميلة ولنتذكرها عند حصول الهفوات والزلات ولنتغافل مااستطعنا عن الأخطاء لتسعد النفوس ويُكْبت الشيطان وتدوم العشرة  الجميلة والصفاء. يقول ابن الجوزي رحمه الله:
 ( ما يزال التغافل عن الزلات من أرقى شيم الكرام).

والحمد لله رب العالمين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى