وَوَرائي كَبِدٌ في القَبْر

لا يمكن لقلبٍ خبر معنى الشوق أو عرف جلال الأبوة أن يمرّ عابراً على بعض القصائد؛ فالأبيات التي تتجلى فيها أصدق صور الوفاء والحب الأولي، ليست مجرد أوزانٍ وقوافٍ تُلقى، بل هي زفراتُ روحٍ أضناها الفقد، وجمرٌ يتوهّج في حنايا الفؤاد.
وإنّ مرثية الأب حين تخرج من كبدٍ مفجوعة تتجاوز حدود الشِعر لتستقرّ في وجدان كلّ من ذاق مرارة الفقد أو عرف قيمة السند؛ إذ يقف الشاعر أمام شريط الذكريات، ينظر إلى الخلف فجأة فيجد أن الجبل الذي كان يستند إليه قد ووري تحت التراب، وترك خلفه بيتاً يلفّه الصمت، وعكازاً مهجوراً، ومصلىً كان يعبق بنور طاعته وطيب دعائه.
وما لمحته الباحثة في أبيات الشاعر حمدان المري دفعها للغوص أكثر في طيّات مرثيته، فيبدأ الشاعر وهو يخنق عبرته تحت وطأة الصدمة الأولى، يرفع كفيه إلى السماء بإيمانٍ ينزف صبراً وتسليماً لقضاء الله وقدره، فيقول:
“اللهم لا اعتراضٍ في قضاه … لكن أسأله الصبر واللطف فيه”
“ابن عبده واعبده واطلب رضاه … واحمده واستغفره واتوب اليه”
“ما حمدنا عقب مكروهٍ سواه … ولا كرهنا كل ما يُحمد عليه”
يتضرّع الشاعر بقلب العبد الخاشع، مؤكداً رضا النفوس بقدر الخالق، وإن كانت الفجيعة أكبر من أن تستوعبها الأضلع؛ فقد يتهاوى القلب أمام هول ما يشعر، حتى يغطي الحزن كل مبهجٍ في الحياة، وغدا كل ما كان يُسعد النفس في هذه الدنيا باهتاً لا طعم له، ولا يتبقى في الوجدان إلا المرارة المقترنة بالرضا بمشيئة الله.
ثم تأخذنا القصيدة إلى أعمق مشاهد الانكسار وأشدها شجناً، حين يناجي ربه ليمنحه القوة ويجبر روحه التي أجهشها البكاء حتى انقطع صوتها، من مرارة ما تشعر :
“يا إلهي وأنت ما غيرك إله … المصاب يفوق حزنٍ مكتسيه”
“اجبر اللي ضاع صوته من بكاه … وقوّ عزمه كان صبره بِهديه”
“كل ما شاف القبر قبّل حصاه … وكل ما قفّى خطوة عوّد عليه”
“والله إنه ما درى إن كبده وراه … لين قفّى والتفت في قبر بيه”
يرسم الشاعر صورةً مروعة للذهول واللوعة عند المقبرة؛ فلم يكن تقبيل الحصى هنا مجرد شجنٍ عابر، بل محاولة يائسة من ابنٍ أضناه الحنين ليتمسك بأثر أبيه ويلتمس من حجارة القبر رائحته وطيبه المألوف الذي فارقه.
ينكبّ على التراب كمن يبحث عن بقايا دفءٍ وأمان، وكلما همّ بالابتعاد خطوة، شدّه الشوق ليعود أدراجه نادباً روحه وكبده اللتين أُودعتا في ذلك اللحد، لينكسر قلبه من جديد حين يدرك أن فيض الدموع لن يعيد راحلاً، لذلك يواصل بث صدق شكواه قائلاً:
“واحدٍ مثلي ما هو يجبر عزاه … لو على أبي أسوق دمعي كل ابيه”
“بري حالي كل ما شفت أخوياه … أتذكر شوف ابي بين الوجيه”
“وشوف مجلاسه ومَركاه وعصاه … وجي بيتٍ دارين ماهوب فيه”
تلازم صورة الأب خيال الابن في كل زاوية من زوايا الدار؛ يعود إليها بخطواتٍ ثقيلة، يعلم سلفاً أن أركانها خالية من مسكنه، لكن العين ترفض التصديق. يقع البصر على التفاصيل الصامتة التي تفيض بذكرى صاحبه: هذا هو المجلس، وذاك متكأه، وهناك عصاه التي فارقت كفه… أشياءٌ جامده في ظاهرها، لكنها تتكلم بلسان الفراغ الكبير الذي تركه الراحل العظيم. ومن ألم الفقد، ينتقل الشاعر بلطفٍ وأدب ليستحضر شيم الوالد ونقاء سريرته:
“ذا مكانه لا دعا الضيف ال عشاه … يتباشر بالضيوف الي تجيه”
“يتفقد حال ربعه واقصراه…. ويتنشد من صفا القلب النزيه”
“وذا مكانه عاد للدنيا طراه … يترقب للأذان ويحتريّه”
“يتوضا ويتجهز للصلاة … ويدعي المولى ويرفع له يديه”
“يطلب الله حاجتينٍ في دعاه … حسن خاتمته ورحمة ولديه”
يقف الشاعر إجلالاً عند زاوية الضيافة التي كان يتلقى فيها الأب قاصديه بقلبٍ نقي وصفاءٍ نزيه، ثم يرنو إلى مصلاه المعهود؛ حيث كان يترقب النداء للصلاة بشغف، يتوضأ بوقار، ويرفع يديه الخاشعتين لله تعالى. لم تكن الدنيا وشواغلها أكبر همه، بل كان يختصر أمانيه في دعوتين مباركتين: أن يرزقه الله حسن الخاتمة، وأن يشمل برحمته ووالديه.
يا لسمو هذه الذكرى حين يتذكر الابن أن ذلك اللسان الذي طالما لهج بالدعاء له قد استراح في جوار ربه، ليختم الشاعر أبياته بدعاءٍ صادق وتطلعٍ إلى جَبْر الخاطر فيمن تبقّى:
“عطّر الله قبره وطيب ثراه … وعاضنا بالصبر لو ما نحتويه”
“وش طراة العمر جعل امحق حياه … عقب ابي جعل العوض في رأس أخيه”
يبتهل الشاعر إلى المولى عز وجل أن يطيب ثرى الفقيد ويكرم نُزله بريحان الجنة، وأن ينزل الصبر والسكينة على القلوب التي أضناها الفراق، ثم يتساءل في حرقةٍ شفافة عن قيمة الحياة ولذتها بعد رحيل السند والوالد، مؤكداً أن الحياة تفقد طعمها وأصفى ألوانها بغياب الأب، ولا يلملم جراح هذا الفقد العظيم إلا الرجاء بأن يجعل الله العوض والبركة في بقاء أخيه، ليكون الامتداد الصالح لذلك الراحل العظيم والظل الظليل الذي يتكئ عليه العزاء بعد الأب.
فسلامٌ على ذلك الوالد الراحل الذي ملأ الدنيا طاعةً وندى، وسقى أرواح أبنائه بذار العز ونقاء السريرة؛ نامت عينُه ومصلاه ينبض بالذكر، وطيبُ ذكره ينساب في الآفاق كشذى العود المعتق.
اللهم أنزل على قبره رحمتك ورضوانك، واجعله في رياض الجنان ينعم بنعيمك ، وافسح له في قبره مدّ بصره، وأفرغ على قلوب أهله صبراً يرمم لوعة الجرح، واجمعهم به في مستقر رحمتك، حيث لا فراق ولا شجن ولا حزن، بل خلودٌ في جوار كريم. بشرى محمد الحويطات