«خفايا الأرواح» تستنطق ذاكرة الأحساء في «بيت السرد».. قراءات نقدية تتفق على بطولة المكان وتختلف حول الفانتازيا وحضور الإنسان

تكبير الخط ؟
لم تكن الأحساء في أمسية «خفايا الأرواح» مجرد جغرافيا تجري فوقها الحكايات، بل بدت كائناً سردياً يستعيد ذاكرته، ويستدعي أرواح أمكنته، ويستعيد أصوات الذين مروا بها ثم غابوا. هكذا حضرت المجموعة القصصية «الأحساء.. خفايا الأرواح» للقاص والروائي عبدالله النصر، في أمسية احتضنها بيت السرد في جمعية الثقافة والفنون بالدمام، بمشاركة نخبة من الكتّاب والنقاد والمهتمين بالسرد.
وتقاطعت القراءات حول مركزية المكان واستدعاء الذاكرة ولغة المجموعة، فيما تباينت المقاربات النقدية في توصيف عالمها السردي؛ بين الفانتازيا، والواقعية السحرية، والخرافة، والذاكرة الجمعية. غير أن الخيط الذي جمع معظم المداخلات تمثل في أن الأحساء لم تأتِ بوصفها خلفية للأحداث، وإنما بوصفها شخصية سردية حاضرة؛ تتذكر، وتتحدث، وتحفظ آثار العابرين.
استهل عبدالوهاب الفارس القراءات، متوقفاً عند اشتغال النصر على الزمان والمكان، ورأى أن الكاتب لم يوظفهما باعتبارهما مجرد ركنين في البناء القصصي، بل منحهما قيمة مركزية في التجربة. وقرأ استدعاء الماضي بوصفه أبعد من الحنين؛ إذ يستعيد قيماً اجتماعية وإنسانية، ويضعها أمام الأجيال بوصفها جزءاً من الذاكرة التي تستحق الانتقال والاستمرار.
واستشهد الفارس بقصة «صمت العقير»، حيث تنتقل السفينة المتصدعة من البحر إلى ساحة المدينة، فيما يبقى برج أبو زهمول مراقباً لها ومتألماً لفقدها، معتبراً أن وصف المجموعة بالفانتازية لا يستوعب وحده طبيعة التجربة، لأن ما تستحضره النصوص يتصل بذاكرة جمعية تتوارثها الجماعة وتتعامل معها بوصفها حقيقة ومعتقداً.
أما كاميليا الدرباس، فقد قرأت المجموعة بوصفها أشبه بسيرة ذاتية للأماكن القديمة؛ أمكنة لا تزال محتفظة بهويتها وذاكرتها، وقادرة على استدعاء من يعبرها إلى زمن آخر. ورأت أن الحنين إلى الماضي يشكل خيطاً مشتركاً بين القصص، وأن طفولة المكان ما تزال عالقة في سراديبه، تستنجد بالذاكرة كي لا تُقصى من صفحات التاريخ.
وفي قراءة تنفتح على دلالات الأشياء، رأى كاظم مأمون أن الباب القديم في المجموعة لا يعود مجرد باب، بل يتحول إلى سؤال عن الذين فتحوه ولم يعودوا، فيما تصبح النافذة ذاكرة للعيون التي انتظرت خلفها، وتغدو النخلة استعارة للصبر وللإنسان المتجذر في الأرض.
وأكد أن المدن لا تحفظ تاريخها في الكتب وحدها، بل في الأثر، ورائحة الطين، والأبواب التي أكلها الزمن، وفي الذاكرة الشعبية التي تنتقل من جيل إلى آخر، واصفاً الأحساء بأنها «واحة للذاكرة» قبل أن تكون «واحة للماء».
ومن زاوية البناء الفانتازي، تناول عادل جاد طبيعة العالم الذي تصنعه النصوص، مشيراً إلى أن النصر يقود قارئه إلى منطقة يتداخل فيها الواقع والخيال، وتظهر من خلالها إشارات مقلقة إلى أرض تتحرك وتئن وتبتلع البشر والذاكرة. ورأى أن فانتازيا النصر لا تبني عالماً منفصلاً عن الواقع، وإنما تشتبك معه، وتكشف ما يعتمل فيه من قلق وخوف.
فيما ذهبت مريم الحسن إلى أن النصر لم يكتب عن الأحساء فحسب، بل كتب بها؛ إذ تحولت المدرسة الأميرية والقيصرية وجواثا إلى شخصيات فاعلة داخل النصوص، بينما بدا الإنسان في بعض المواضع وكأنه ضيف في فضاء المكان. ورأت أن الخيال لم يكن ترفاً فنياً، بل ضرورة فرضتها كثافة الذاكرة التي يحملها المكان.
واقتربت ليلى ربيع من الجانب الأكثر عتمة في المجموعة، متوقفة عند حضور الأرواح بوصفها كائنات لا تعبر الحكايات مروراً عابراً، بل تختبئ وتترصد للعابرين. وقرأت الماء بوصفه حافظاً للخطايا أكثر من كونه غاسلاً لها، فيما بدا حضور الأرواح في قراءتها شكلاً من أشكال مقاومة الموت والنسيان.
ووضع وليد حرفوش المجموعة في المسافة الفاصلة بين الفانتازيا والخرافة، معتبراً أن نصوصها تتشكل من العلاقة بين روح الكاتب وأرواح المكان الراحلة. ورأى أن غرائبيتها تستفز الخيال، لكنها تقود أحياناً إلى مشاهد سريالية يصعب استنفاد دلالاتها، مؤكداً أن الكاتب غاص في الخيال واللاوعي ليستحضر ملامح حياة مضت، من دون أن يقدمها في صورة توثيق مباشر.
أما سارة العفيصان، فأكدت أن البطل الحقيقي في المجموعة هو المكان، مستشهدة بعبارة من قصة «بيت لن يصدأ»: «لم نكن نحن من دخل بيت البيعة، بل البيت من دخلنا»، معتبرة أن العبارة تختصر طبيعة العلاقة بين الإنسان والمكان في المجموعة.
وتوقفت العفيصان كذلك عند مشهد احتراق القيصرية، مشيرة إلى أن كثافة التفاصيل وشاعرية الوصف جعلتاها تشعر بأنها داخل المشهد، حتى بدا لها وكأنه خرج من إحدى حكايات «ألف ليلة وليلة».
واختار طارق فؤاد مصطلح «الواقعية السحرية المحلية» لوصف التجربة، معتبراً أن الكاتب وضع طبقة من الغموض فوق مكان حقيقي، وحوّل التاريخ من معلومة جامدة إلى تجربة يشعر القارئ بثقلها وحضورها.
وتنقل فؤاد بين بحيرة الأصفر، وسليسل، والمدرسة الأميرية، والقيصرية، والعقير، وجواثا، وقصر إبراهيم، وبيت البيعة، قارئاً كل معلم من هذه المعالم بوصفه نافذة يطل منها الماضي على الحاضر.
وفي السياق ذاته، رأت ريم حسن أن الأحساء حضرت في المجموعة بروحها وذاكرتها، وكأنها شخصية تشارك الإنسان حكايته وتحمل معه شيئاً من الماضي. واعتبرت أن الفانتازيا لم تكن انفصالاً عن الواقع، وإنما وسيلة للتعبير عن الفقد والحنين والخوف والارتباط بالماضي، فيما أسهمت اللغة الشاعرية في جعل الكاتب لا يصف المكان فحسب، بل يعيد رسمه بالكلمات.
ورغم تعذر حضور هاني الحجي، حرص على المشاركة من خلال تسجيل صوتي عُرض خلال الأمسية، ثمّن فيه اشتغال النصر على تراث المنطقة وذاكرتها، موضحاً أن المجموعة نقلت معالم الأحساء من صورتها الجامدة إلى فضاء حي يمزج الواقعية بالفانتازيا. وأكد أن فانتازيا المكان لم تهمش الإنسان، بل عمقت صلته بالأرض، وكشفت في الوقت ذاته عن قلقه تجاه التحولات الاجتماعية والعمرانية.
أما مدير اللقاء عبدالرؤوف الطويل، فقدم قراءة تتبعت الأمكنة التي عبرت بها النصوص الثمانية عشر، مؤكداً أن النصر قدم الأحساء بوصفها كائناً «ينام بعين مفتوحة»، يتذكر من مر به ويحفظ ما نسيه العابرون.
واستشهد الطويل بعبارة من قصة «سليسل العظيم»: «الأرض ليست مجرد تراب.. هي ذاكرة، ونحن نخاف الذاكرة»، معتبراً أن الفانتازيا في المجموعة لا تبعد القارئ عن الأحساء، وإنما تعيده إليها بصورة أكثر قرباً والتصاقاً.
وبين «الضرورة الفانتازية» و«الواقعية السحرية» و«الخرافة» و«الذاكرة الجمعية»، تعددت التسميات التي اقترحتها القراءات لطبيعة العالم القصصي، إلا أنها التقت عند حقيقة واحدة: أن الخيال في «الأحساء.. خفايا الأرواح» لم يكن زينة شكلية، بل أداة لاستعادة المكان وإعادته إلى الوعي ومقاومة النسيان.
النصر: حين يضع المؤلف كلمته الأخيرة يصبح النص ملكاً لقارئه
وفي ختام الأمسية، تحدث صاحب المجموعة عبدالله النصر، مؤكداً أن النص ينفصل عن صاحبه لحظة اكتماله، وقال: «حين يضع المؤلف كلمته الأخيرة في كراسته، ينفصل النص عنه ليصبح ملكاً لكل قاطف معنى».
وأوضح النصر أن تجربته انطلقت من محبة الأحساء وذاكرتها، ومن رغبة في إخراج التراث من قوالب التوثيق الجافة إلى فضاء سردي يستفيد من الفانتازيا والواقعية السحرية والغرائبية، بما يقرب المكان من القارئ المعاصر دون أن يفقده أصالته.
وبين الاحتفاء باللغة، والجدل حول حضور الإنسان، والبحث عن المصطلح الأكثر ملاءمة لتصنيف النصوص، تحولت الأمسية من مجرد قراءة لمجموعة قصصية إلى حوار مفتوح حول علاقة السرد بالمكان والذاكرة.
وفي النهاية، بدا أن «الأحساء.. خفايا الأرواح» لا تقدم المكان بوصفه مسرحاً للحكاية، بل بوصفه صاحباً لها؛ مكاناً لا يكتفي أهله بالسكن فيه، وإنما يسكنهم هو أيضاً، ويحفظ شيئاً من أصواتهم، وملامحهم، وأرواحهم.






