حين ترتفع الحرارة… ترتفع مسؤوليتنا

أحيانًا لا نحتاج إلى معرفة درجة الحرارة حتى نشعر بوطأتها.
يكفي أن نخرج وقت الظهيرة أو نبحث عن ظل أو نعود سريعًا إلى مكان بارد لنفهم أن الحرارة ليست رقمًا بل تجربة تعيد تشكيل يومنا.
لكن خلف هذا الإحساس اليومي واقع اكبر يستحق التوقف والاستدراك.
فما نعيشه اليوم لم يعد مجرد صيف اعتيادي أو شكوى موسمية متكررة. فالاحتباس الحراري الناتج عن تراكم غازات الدفيئة يرفع متوسط حرارة الأرض ومع التغير المناخي أصبحت موجات الحر أكثر تكرارًا وشدة في معظم دول العالم .فلم تعد آثار موجات الحر مجرد أرقام في نشرات الطقس ففي موجة الحر التي ضربت أوروبا أواخر يونيو 2026 سُجلت أكثر من 10 آلاف وفاة إضافية فيما تجاوزت درجات الحرارة في بعض مناطق فرنسا 43 درجة مئوية.
ولا تقتصر آثار ارتفاع الحرارة على الشعور بالإرهاق بل تمتد لتشمل زيادة تبخر المياه وارتفاع استهلاك الطاقةً والتأثير في التربة والغطاء النباتي والتنوع الحيوي كما تسهم المدن في تضخيمها عبر التوسع العمراني.
ولهذا لم تعد موجات الحر مجرد ظاهرة ننتظر انقضاءها موسمياً بل أصبحت رسالة بيئية واضحة تمس حياة الإنسان والبيئة واستدامة الموارد وتفرض علينا وعيًا أكبر وقدرةً على التكيف مع المتغيرات المناخية.
فالطبيعة لا تصرخ حين يختل توازنها لكنها ترسل إشارات واضحة…شجرة تضعف، ماء يتبخر، أرض تتأثر، وكائنات تتغير أنماط حياتها.
وفي أيام الحر تحديدًا ندرك قيمة ما نغفل عنه عادة: الماء، الظل، الهواء النقي، والمساحات الخضراء.
ومن هنا تبدأ المسؤولية.
قد تبدأ بسلوك بسيط: ترشيد الماء، تقليل استهلاك الكهرباء وخفض النفايات والعناية بالأشجار. ورغم بساطة الأثر الفردي إلا أنه يصبح مؤثرًا حين يتحول إلى سلوك يومي ونمط حياة وثقافة مجتمعية.وهنا تتكامل المسؤولية المجتمعية فالأسرة والمدرسة والقطاع العام والخاص والقطاع غير الربحي شركاء في صناعة الوعي والأثر.
وللإعلام دور لا يقل أهمية فهو لا يكتفي بنقل المعلومة أو الخبر بل يسهم في تشكيل الوعي البيئي وتصحيح المفاهيم وجعل القضايا البيئية حاضرة في الوعي العام لتنتقل من موضوعات موسمية إلى سلوك وثقافة مجتمعية مستمرة ليتحول الوعي البيئي إلى ممارسة مستدامة.
وفي المملكة العربية السعودية، أصبح الاهتمام بالبيئة جزءًا من مسار تنموي يشمل التشجير وحماية الغطاء النباتي واستدامة الموارد والطاقة النظيفة وتحسين جودة الحياة.
لكن تبقى الممارسات الفردية أساس نجاح هذه الجهود فلا قيمة لزراعة شجرة دون الحفاظ عليها ولا لترشيد الماء مع استمرار الهدر ولا لمبادرة تنتهي بانتهائها. فالأثر الحقيقي هو ما يبقى.
وحين نشعر برسائل الأرض لا نراها مجرد ظواهر بيئية عابرة بل نتوقف أمام معنى أعمق لعلاقتنا بها فهي أمانة قبل أن تكون موردًا واستخلاف قبل أن تكون منفعة.
يقول الله تعالى
﴿ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون﴾ سورة الروم، الآية 41
وقال النبي عليه افضل الصلاة والسلام : «إن شدة الحر من فيح جهنم».
وفي ذلك تذكير بأن الحر فرصة للتأمل في النعم التي اعتدناها.ونستشعر نعم الله علينا ونشكره لتستديم النعم .
لهذا تستحق أيام الحر منا أكثر من الشكوى تستحق وعيًا أكبر بالماء وتقديرًا للشجر وحرصًا على الطاقة وإدراكًا أن ما نفعله اليوم سيبقى أثره غدًا.
فنحن لا نستطيع تغيير حرارة الصيف أو وقف التغير المناخي بقرار واحد لكننا نستطيع تغيير استجابتنا وتقليل أثرنا ودعم الاستدامة.
وحين ترتفع الحرارة يبقى السؤال الأهم: ماذا فعلت بنا هذه الحرارة؟؟
هل جعلتنا أكثر وعيًا أم أكثر شكوى؟
فالمستقبل لن تحدده حرارة الأيام فقط بل طريقة تعاملنا مع الأرض حين نملك فرصة حمايتها.
دلاليات
قد لا نخفف حرارة الأرض، لكننا نستطيع تقليل أثرنا عليها. وحين تشتد الحرارة، لا يكفي أن نبحث عن الظل، بل أن نسأل: ماذا فعلنا لنحميه؟
اللهم إنا نعوذ بك من نار جهنم، ونسألك أن تجعلنا أمناء على نعمك، رحماء بأرضك، حريصين على ما بين أيدينا وما سنتركه لمن بعدنا.
بقلم: دلال القحطاني
الرئيس التنفيذي لقطاع غير ربحي
مستشارة مهنية في منصة خبراء المسؤولية المجتمعية في الدول العربية
كاتبة مهتمة بالاستدامة البيئية والقطاع غير الربحي والمسؤولية الاجتماعية