الوصايا الثلاثة

من الزمن البعيد هذه الحكاية من حكايا تراثنا التي تحمل من الحكم الكثير، وأنا من محبي هذه الحكايات الجميلة .. فيحكى أن رجل قبل أن يتوفى أراد أن يوصي ولده وكان له ولد وابنتان، وكان هذا الشاب محبوبًا جداً من الجميع بالقرية الريفية التي يسكنونها، فقال له يا ولدي أوصيك بثلاث، لا ترافق الشيخ ويقصد بها شيخ القرية التي يسكنونها، وإن رافقته احذر من ساعة غضبه مهما فعلت له وأخلصت، والثانية لا تزوج بخيل، والثالثة لا تعطي سرك حتى لأمك.
ومع مضي الأيام الشاب لم ينسى وصية أبوه وكان قد زوج أخيته، واحدة لرجل فقير لكن معروف بالكرم، والثانية لرجل غني ولكنه بخيل، وكان لشيخ القرية غزاله يحبها وتاركها تسرح وتمرح بمزارع القرية محذرًا الجميع إذا تعرض لها أحد فإن مصيره القتل، وقام الشاب بأخذ الغزالة وأخفاها بعيدًا عن أنظار الجميع، وقام بذبح عنز وأحضرها لأمه، وقال يا أمي وأنا ذاهب للصيد بجوار القرية شاهدت من بعيد غزالة وأطلقت النار عليها وقتلتها ويوم وصلت لها وجدتها غزالة شيخ القرية ولكن الحمدلله لم يشاهدني أحد ولن يكتشف أمري أحد، اطبخيها لنا خل نأكلها ولا تخبري أحدًا بالقصة فالشيخ مهدد من يقتلها يُقتل، والولد كان من أقرب المقربين لشيخ القرية وذراعه اليمين ومخلص له، قالت كيف تبيني أخبر الناس وأنت ولدي الوحيد وأكيد يقتلك.
ذهبت أم الولد إلي جارتهم لتحضر قدر لتطبخ به صيدة ولدها، فقالت لجارتها أريد قدرك لأطبخ صيدة ابني التي أحضرها فقدرنا صغير، سألتها جارتها عن الصيدة، فقالت بعلمك بس سر ولإن علم بها شيخ القرية قتل ولدي اللي بالخطأ صادها وهو رايح للصيد، سرعان ما انتشر الخبر بالقرية ووصل إلي مسامع الشيخ الذي طلبه وقال يا فلان سمعت أنك قتلت غزالتي صحيح، قال نعم لكن بالخطأ ولم أكن اقصد صيدها وتعرفني من المخلصين لك، لكن الأمر كما قلت بالخطأ ولم أكن أعرف أنها غزالتك، غضب الشيخ ووصى بسجنه وقال سوف أقتلك، فتدخل بعض الحاشية مزكين هذا الشاب وأن له مواقف تشفع له بخدمة القرية وأهلها وأنه مخلص لشيخ القرية، طلبه في اليوم التالي وقال سوف أحكم عليك بحكم وأعطيك مهله شهر إن استطعت تحقيق الحكم والوفاء به عفوت عنك، وان ما قدرت قتلتك، قال ما هو حكمك قال تحضر لي مئة رأس من الأبل قبل ما يطلع هلال الشهر وكان الشاب لا يملكها.
ذهب الشاب إلي صهره الغني الذي يملك المئات من الأبل وأخبره بالقصة، وكان رده هل وصل بك الأمر أن تقتل غزالة الشيخ مع توبيخه ببعض الكلمات الجارحة، وقال له ليس لك عندي إلا التيس هذا خذه واذهب به، رد الشاب خائب، وأخذ التيس وغادر وهو يتذكر وصية والده بطريقة إلي صهره الفقير، وكان وصوله مساءً وكان في البادية وحكى له القصة، فقام الرجل وأشعل نارًا كبيرة وكان معناها اذا أشعلت النار عند بيت ما هي أشبه بالدعوة لاجتماع، وقام صهره الفقير بقطع أحد أطناب البيت إلي مائة قطعه وهو ما يسمى بالعقال التي تعقل بها الأبل، وكان الرجل محبوب بين جماعته لكرمه وشجاعته لكنه لا يملك إلا قوت بيته، حضر الناس وأخبرهم بالحكاية وتوازع جماعته العقل حتى أن بعضهم لم يبقى له عقال وتقاطعوا العقل مع بعضهم، بعد أن جمع المائة رأس من الإبل ذهب بها للشيخ وأخذ معها التيس، وكذلك أخذ غزالة الشيخ، عندما شاهد الشيخ الإبل وشاهد الغزالة قال أكيد وراء هذه حكاية قال نعم لقد أوصاني والدي بثلاث (سرك لا تعطيه حتى لأمك، ولا تأمن شيخ القرية في ساعة غضب، ولا تزوج بخيل وزوج الكريم)، وهذا ما جرى معي فحكى له كل شيء حصل معه، أمر الشيخ أن تحمل الإبل بالخيرات وتعاد لأصحابها، وحتى تيس البخيل يوضع عليه خرج ويحمل بما يستطيع حمله وقرب الشاب منه أكثر من قبل .. انتهت الحكاية.
همسة
هناك خلف كل باب أو شباك حكاية لا تحاول أن تبحث عنها ولا تحاول أن تكون طيب لحد السذاجة ولا تعطي إلا لمن يستحق العطاء، الصدر صندوق بيدك مفتاحه فلا تسلمه لغيرك، لا تندفع كثيراً خلف عواطفك فظنون البشر أكبر من عفويتك، لا تهتم إلا بمن يستحق الاهتمام فالكرامة هي أغلى مايملك الإنسان لا تفرط بها بسهولة…
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
@Abd123d1
مقال رائع ومعبر حداً جداً
سلمت استاذنا الفاضل
الف شكر لك استاذة فاطمة الروعة بمروك سلمتي